توتر بين الاتحاد الأوروبي وترامب: اختبار جديد للقوة
الرأي الثالث - وكالات
لا يزال مبكراً حسم مصير الخلاف الكبير الذي اندلع خلال الأيام الماضية، بين الاتحاد الأوروبي والرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي هاجم خصوصاً فرنسا، وهو ليس الخلاف الأول منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني 2025.
فبعدما اعتادت دول الاتحاد الأوروبي منذ عام، على تصعيد ترامب تهديداته لها، ثم "نزوله عن الشجرة" مرات عدة مُقابِلها، وتوصله إلى تسويات معيّنة، لا سيما في ملف التعرفات الجمركية،
إلا أن هذه المرة تبدو مختلفة، بعدما وصل السجال إلى مستويات غير مسبوقة، خرق فيها ترامب أصول العلاقات الدبلوماسية بين الحلفاء،
وهو لا يزال يستخدم أساليب يراها من جهته من خارج الصندوق فقط، لكنها في نظر المجتمع الدولي تخرق الكثير من الأعراف وطبيعة العلاقات الدبلوماسية عبر ضفتي الأطلسي منذ عقود، وذلك لفرض شروطه على العالم، وتحقيق طموحاته التوسعية، تركيعاً وبالقوة.
أبعد من أزمة غرينلاند
ويصعب حصر تفسير هذا الخلاف، بأزمة جزيرة غرينلاند أو مجلس السلام الذي رفضت فرنسا دعوة ترامب للانضمام إليه، ما استدعى منه تهديدات بفرض مزيد من الرسوم الجمركية على منتجات فرنسية.
إذ حتى لو تمّ التوصل إلى تسوية لهاتين المسألتين خلال المباحثات التي ستشهدها أوروبا مع الأميركيين خلال الأسبوع الحالي،
إلا أن السياسة التي ينتهجها ترامب حالياً، والتي تهدف إلى تفكيك الكثير من العناصر السياسية والهياكل التنظيمية التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية،
وهو ما تبدى في أهداف مجلس السلام كبديل يريده عن الأمم المتحدة، قد بدأت فعلاً تثير الهلع في أوروبا، التي تجد نفسها اليوم مهمّشة إلى حدّ بعيد، ومُبعدةً عن آلية إدارة العالم بين "الأقوياء"، والتي باتت تُدار اليوم عبر البيت الأبيض من دون قفّازات،
بينما لا يرغب ترامب في مواجهة مفتوحة ومباشرة مع روسيا أو الصين.
وتقف أوروبا اليوم، لتختار بين مواصلة مسايرة ترامب حتى موعد الانتخابات النصفية الأميركية، وتحمّل عدائيته المتزايدة، أو الوقوف بموقف واحد والردّ على تهديداته بأوراق قوة تمتلكها، إلا أن ذلك يبدو حتى الآن مستبعداً.
ويشي عمل دؤوب تقوم به الولايات المتحدة، بسعي أكبر من دفع الاتحاد إلى الموافقة على طلبات أميركية، وصولاً إلى محاولة تفكيك الاتحاد كخصم اقتصادي، عبر اختراقه، وتحطيم حلف شمال الأطلسي (ناتو) معنوياً، لتطويعه.
ويسعى ترامب إلى إضعاف الاتحاد، أيضاً، بصفته هيكلاً سياسياً ودبلوماسياً وذا سيادة. وبينما يسهل احتواء التهديدات الأميركية الاقتصادية (قد يستدعي الاتحاد ما يعرف بـ"البازوكا التجارية" أو آلية مكافحة الإكراه)،
يصعب تعويض الضرر السياسي إذا ما استمر ترامب في تحقيق طموحاته عبر تهميش الاتحاد أو استغلال خلافاته الداخلية واللعب على تناقضاته.
الاتحاد الأوروبي أمام اختبار صعب
ويواجه الاتحاد الأوروبي خلال الأسبوع الحالي، أحد أصعب اختباراته ربما، منذ مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، لجهة تماسكه وخروجه بآلية موحدة ومتوافق حولها لمواجهة تهديدات ترامب الجمركية الجديدة، وقضية الأمن القطبي التي فُتحت على مصراعيها في مواجهة رغبة واشنطن بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية التابعة للدنمارك.
ويعدّ هذان العنوانان، الأبرز في خلاف ترامب والاتحاد، بعدما خفّضا سقف الخلاف حول التعرفات في السابق، وكذلك حول كيفية مقاربة الأزمة الأوكرانية،
فيما غضّ الاتحاد الأوروبي الطرف عن العدوان الذي نفّذه الجيش الأميركي على فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو.
أما التوتر مع فرنسا، فقد خفّف الأميركيون من وطأته رغم سخرية ترامب من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بأكثر من طريقة أخيراً، سواء عبر تقليد صوته واللكنة الفرنسية، أو إعادة نشر رسالة من ماكرون إليه على منصته تروث سوشال، أو اعتبار أن رفض فرنسا المشاركة في مجلس السلام أمر يفتقد إلى الأهمية. ويأتي ذلك، رغم أن ما كشفته الرسالة يفضح تماهياً فرنسياً مع بعض الطموحات الأميركية،
ومن بينها في الملف الإيراني، وتعكس نمطاً معتاداً من العلاقات بين دول الغرب المهيمن، التي لطالما أدارت شؤون العالم بالتواطؤ لاقتسام الأرباح لاحقاً.
ورغم أن الدول الأوروبية الكبرى، مثل فرنسا وألمانيا، فشلت مراراً في اجتراح حلول خاصة لمشاكلها أو لأزمات العالم دون مساعدة "الأخ الأكبر"،
إلا أن ترامب يريدها اليوم "تابعةً" بشكل لا لبس فيه، على أساس ما يرى فيه فارقاً كبيراً في القوة بين بلاده وبينها.
وبدأ الخلاف الجديد يستفحل، مع تمسك ترامب بمطلبه شراء جزيرة غرينلاند التي تعدّ استراتيجية لسياسات القطب الشمالي والصراع على الممرات العالمية بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
ويوم السبت الماضي، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على واردات 8 دول أوروبية، هي فرنسا والدنمارك والنرويج والسويد وبريطانيا وهولندا وفنلندا وألمانيا،
بدءاً من الأول من فبراير/شباط المقبل، في خطوة تهدف إلى الضغط على الدنمارك لبيع غرينلاند للولايات المتحدة،
مضيفاً أن هذه الرسوم سترتفع إلى 25% في يونيو/حزيران المقبل، وستظل كذلك حتى شراء الجزيرة.
والدول المستهدفة أرسلت الأسبوع الماضي أعداداً محدودة من القوات إلى غرينلاند، في إطار الاستعداد لإجراء تدريبات عسكرية أوسع لاحقاً هذا العام في إطار حلف شمال الأطلسي.
وتعد هذه الرسوم رسوماً إضافية على أخرى أميركية مفروضة سابقاً، حيث فرض رسوماً جمركية على دول العالم بحد أدنى 10% بما فيها دول الاتحاد الأوروبي جميعها،
وينتظر أن تتخذ المحكمة العليا الأميركية قريباً جداً قراراً بمدى قانونية فرضها من دون موافقة الكونغرس (يفرضها ترامب بموجب قانون طوارئ اقتصادية،
لكن معظم التقديرات تشير إلى أن المحكمة العليا لن تنقلب على رسوم ترامب، باعتبارها جزءاً أساسياً من سياسته الاقتصادية).
من جهتها، تدرس الدول الأوروبية استخدام آلية "البازوكا التجارية"، المعروفة رسمياً داخل الاتحاد الأوروبي بـ"آلية مكافحة الإكراه"، والتي دخلت حيّز التنفيذ في 2023، ردّاً على تهديدات ترامب.
وقد تشمل هذه الآلية الحدّ من الوصول الأميركي إلى أسواق الاتحاد الأوروبي أو فرض قيود على الصادرات، ضمن قائمة أوسع من التدابير المضادة المحتملة، قد تكون قاسية على الولايات المتحدة.
وتشمل أنواع التدابير الممكنة: تقييد الاستثمار الأجنبي المباشر، والأسواق المالية، والمشتريات العامة، والجوانب التجارية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية، وضوابط التصدير، وغير ذلك. لكن ذلك، قد يستغرق وقتاً لإقراره.
وبعدما أعلن ترامب عن عقوبته الجديدة، تمّ الكشف في باريس، أول من أمس، عن رفض الرئيس الفرنسي، انضمام بلاده حالياً إلى "مجلس سلام" غزة الذي يقوده ترامب.
وبرّرت أوساط ماكرون ذلك "بمخاوف تتعلق بصلاحيات المجلس ودوره في غزة، وما قد يحمله من تداعيات على إطار الأمم المتحدة"،
موضحة أن قرار باريس جاء بسبب مخاوف من أن يتمتع المجلس بـ"صلاحيات واسعة تتجاوز إدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، بما من شأنه تقويض إطار الأمم المتحدة".
وأشارت إلى أن ميثاق المجلس "يتجاوز إطار غزة ويثير تساؤلات جدية، لا سيما في ما يتعلق بمبادئ وهيكل الأمم المتحدة، التي لا يمكن التشكيك فيها".
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الاثنين، إن نطاق ميثاق المجلس يشمل "غزة وأماكن أخرى"، إلى جانب "الصلاحيات الواسعة جداً" الممنوحة لرئيسه، ما يشكّل "نقاط قلق رئيسية".
ووفقاً لبارو، فإن ترامب، سيكون قادراً على الموافقة على مشاركة الأعضاء، واختيار خليفته، واستخدام حق النقض ضد قرارات تتخذها غالبية الأعضاء، معتبراً ذلك "بعيداً جداً جداً، عن ميثاق الأمم المتحدة".
وردّاً على ذلك، نقلت وكالة رويترز عن ترامب تهديده بأنه سيفرض رسوماً جمركية على النبيذ والشامبانيا الفرنسيين بنسبة 200%، كما رأى أن لا أحد يهتم بانضمام فرنسا إلى المجلس، ففي رأيه إن ماكرون "سيكون خارج مكتب الرئاسة قريباً".
أما المقربون من الرئيس الفرنسي فرأوا أن تهديدات ترامب "غير مقبولة وغير فعّالة للتأثير في سياستنا الخارجية".
ويدعم ترامب وفريقه من حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (ماغا)، زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان،
ولم تخف وثيقة الأمن القومي الصادرة عن البيت الأبيض في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، دعمها لأفكار اليمين المتطرف الأوروبي، ونيّتها مساعدته، لمنع "زوال حضارة أوروبا".
ويراهن فريق ترامب على المدى الطويل، على وقوع فرنسا في فكّ اليمين المتطرف على غرار ما حصل في عدد من دول أوروبا، ووصول اليمين المتطرف الإيطالي إلى الحكم، ممثلاً اليوم بجورجيا ميلوني التي تعدّ نفسها حليفة لترامب.
كما أن الإدارة الأميركية تسعى إلى استبعاد فرنسا من عدد من الملفات الحيوية، سواء في الشرق الأوسط أو العالم، بل حتى في الملف الأوكراني الذي يشكّل معضلة أمن قومي لدول الاتحاد.
كما تراهن إدارة ترامب على شقّ الصف الأوروبي حول عدد من الملفات، من بينها غرينلاند، وذلك عبر تعميق التباينات الواضحة بين ألمانيا وفرنسا، من جهة، والتباينات بين دول أوروبا الغربية وأخرى شرقاً تتمسك بالمظلّة العسكرية الأميركية لحمايتها من أي غزو روسي.
في العموم لم يقف الخلاف عند هذا الحد، إذ قام ترامب بإعادة نشر "رسالة خاصة" لماكرون اقترح فيها على نظيره الأميركي عقد قمة لمجموعة السبع في باريس غداً الخميس،
ودعوة الروس إليها "على هامش" الاجتماع، في سابقة من نوعها منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربع سنوات.
وقام ترامب بنشر الرسالة على منصته، فيما أكدت أوساط مقربة من ماكرون أمس، أنها "حقيقية تماماً". واقترح ماكرون في الرسالة دعوة أوكرانيا إلى الاجتماع، وأيضاً الدنمارك لمناقشة غرينلاند، إضافة إلى سورية.
وكتب الرئيس الفرنسي في رسالته: "صديقي، نحن متفقون تماماً بشأن سورية، بإمكاننا تحقيق إنجازات عظيمة في إيران، لا أفهم ما تفعله في غرينلاند"،
مضيفاً "بإمكاني تنظيم اجتماع لمجموعة السبع في باريس عقب قمّة دافوس" في سويسرا، و"بإمكاني دعوة الأوكرانيين والدنماركيين والسوريين والروس إلى فعالية جانبية" على هامش الاجتماع. وختم: "لنتناول العشاء معاً في باريس الخميس قبل عودتك إلى الولايات المتحدة".
وفي معرض الدفاع عن الرسالة، قال مقربون من ماكرون بعد نشرها إنها "تظهر أن الرئيس الفرنسي يدافع عن الموقف نفسه في العلن وفي السر".
وقال مصدر رئاسي فرنسي لوكالة فرانس برس: "في غرينلاند، احترام سيادة الدول وسلامتها الإقليمية أمر لا يقبل المساومة، والتزامنا في حلف شمال الأطلسي بأمن المنطقة القطبية الشمالية ثابت لا يتغير.
نحن عازمون على جعل رئاستنا لمجموعة السبع هذا العام لحظة مثمرة للمساهمة في الحوار والتعاون. في سورية، نعمل جنباً إلى جنب مع الأميركيين من أجل وحدة سورية وسلامة أراضيها واحترام وقف إطلاق النار، مع البقاء أوفياء لحلفائنا في الحرب ضد داعش.
أما في إيران، فنطالب السلطات باحترام الحريات الأساسية، ونقف إلى جانب المدافعين عنها".
كما شنّت نقابات زراعية فرنسية، هجوماً على ماكرون، بسبب تهديداته الجمركية. واعتبر وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور أن بلاده "لم تشهد أمراً مماثلاً من قبل. حليف وصديق منذ 250 عاماً، يستخدم التعرفات سلاحاً جيوسياسياً".
وحاول وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسينت، أمس، تهدئة "الهستيريا" حسب تعبيره، قائلاً من دافوس السويسرية: "لنهدئ الهستيريا ونأخذ نفساً عميقاً. أنا مقتنع أن الزعيمين لن يصعّدا"،
متحدثاً بإسهاب عن خلافات تاريخية بين البلدين، لم تؤدِّ يوماً إلى إنهاء تحالفاتهما الاستراتيجية. وقال إنه في عهد شارل ديغول، كانت هناك خلافات في الرأي بين البلدين، وهو ما رآه طبيعياً،
فيما يرى متابعون أن ماكرون يحاول أن ينتهج تصريحات ديغولية لإظهار التمايز عن الولايات المتحدة وإبقاء صورة بلاده قوةً عظمى.
وتعوّل فرنسا على التفاف أوروبي حولها خلال الأسبوع الحالي، لمواجهة تهديدات ترامب، لكن ذلك ليس مضموناً. إذ بينما دعا ماكرون الأحد الماضي، إلى تفعيل "البازوكا"، تعتقد برلين أن ذلك قد يضّر كثيراً باقتصادها المتراجع.
ورأى موقع بوليتيكو أمس، أن الخلافات بين البلدين أعمق منذ ذلك، إذ إن ألمانيا تسعى إلى قيادة المشهد الأوروبي في ظلّ ما ترى فيه ضعفاً فرنسياً ومشاكل داخلية تكبّل باريس ورئاسة ماكرون،
كما أنها مستاءة من كثرة كلام الفرنسيين مقابل عجزهم عن التحرك الفعلي لتحقيق السيادة والاستقلالية العسكرية، وقال مصدر إن ماكينة الصناعات العسكرية الدفاعية المشتركة "لم تنتج شيئاً واحداً خلال الأشهر الستة الماضية".