بعد حل "الانتقالي الجنوبي"… الحوثيون أمام مرحلة الحسم
أسابيع عاصفة عاشتها اليمن، أعادت خلط الأوراق السياسية والعسكرية، وأنهت فعلياً مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه لاعباً مستقلاً عن الشرعية.
ومع استعادة الحكومة اليمنية السيطرة على معظم المحافظات الجنوبية والشرقية، بدعم مباشر من السعودية، بدا المشهد وكأنه يعود إلى نقطة مفصلية غابت طويلاً.
فسقوط مشروع المجلس الانتقالي لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة تراكمات من الانقسام، والصدام مع بنية الدولة، ومحاولات فرض وقائع بالقوة، ومع سقوطه بدأت معالم مرحلة جديدة تتشكل، عنوانها الأبرز إعادة توحيد القرار السيادي والعسكري.
وبعد أن توحدت الجغرافيا التي كانت موزعة بين فصائل ومراكز نفوذ متنازعة، تتجه الأنظار نحو صنعاء، حيث تقف جماعة الحوثي أمام واقع مختلف، لم تعد فيه الانقسامات داخل معسكر الشرعية صمام أمان لبقائها.
تحوّل استراتيجي
أفرز سقوط المجلس الانتقالي تحوّلاً جيوسياسياً واضحاً، تجلّى في بسط الحكومة اليمنية سيطرتها على نحو 80% من مساحة البلاد، مقابل قرابة 20% لا تزال تحت سيطرة الحوثيين، وهو تحول بالغ الأهمية، وسيكون له تأثير مهم في مستقبل الأزمة اليمنية.
فانتشار قوات درع الوطن الحكومية، التي تحظى بدعم سعودي، في كل المحافظات المحررة، ليس تموضعاً عسكرياً فحسب، بل تمهيد لمرحلة قادمة، تفضي لإنهاء الأزمنة اليمنية، إما سلماً أو حرباً.
ومنحت الأحداث الأخيرة في اليمن الحكومة المعترف بها دولياً مساحة مناورة أوسع، إذ مكنتها من استعادة زمام المبادرة عسكرياً، وجغرافياً صارت تتحكم بغالبية المناطق الحساسة في اليمن،
في مقابل انزواء الحوثي في الجبال، إلا من منفذ بحري، أصبح غير صالح بنسبة كبيرة بسبب الضربات الإسرائيلية.
في قلب هذا التحول، لعبت السعودية دور المايسترو في إعادة ضبط المشهد اليمني، ليس فقط عبر الدعم العسكري، بل من خلال تصحيح انحرافات كادت تعصف بمفهوم الدولة نفسها، وساهمت في عرقلة معركة استعادة صنعاء لسنوات.
لجنة الحسم
ومساء السبت (10 يناير)، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة تحالف دعم الشرعية، ما يعني نقطة تحول مهمة في مسار الصراع، فهذه اللجنة ليست إطاراً تنظيمياً فحسب، بل مظلة سيادية لتوحيد ودمج جميع التشكيلات العسكرية ضمن مؤسسة واحدة.
دلالة القرار تتجاوز الجانب الفني، إذ يعني عملياً تجميد عمل اللجنة الأمنية والعسكرية المشكلة عام 2022، بعد أن تعثرت وانخرط بعض قادتها في تصعيد داخلي، وهو ما أعاد، وفق مراقبين، التوازن العسكري لصالح الحكومة والتحالف، بعد مرحلة من السيولة والازدواجية.
وأوضح العليمي أن اللجنة ستتولى إعداد وتجهيز وقيادة جميع القوات والتشكيلات العسكرية، ودعمها، للاستعداد للمرحلة القادمة في حال رفض الحوثيين للحلول السلمية.
أما طبيعة المرحلة المقبلة فتظل مرهونة بموقف الحوثيين، فتصريحات رئيس مجلس القيادة كانت واضحة: "الاستعداد لكل الخيارات، مع أولوية السلام إن قُبل، والحسم إن فُرض".
خيارات الحوثيين
في المقابل، يواجه الحوثيون مرحلة بالغة الحساسية، فوجود المجلس الانتقالي سابقاً، بما مثّله من تضارب داخل الشرعية، كان يمنح الجماعة هامشاً للمناورة والبقاء، عبر الاستثمار في الانقسام واستنزاف الخصوم بعضهم ببعض، وهو ما تلاشى اليوم.
وتترقب الجماعة ما ستسفر عنه الأيام القادمة، بعد سقوط الانتقالي، وهو ما أشار إليه القيادي الحوثي، علي القحوم، في تدوينة على منصة "إكس"، الذي هدد بالتصعيد ضد السعودية، إذ تكشف تهديداته إدراك الجماعة أن أي مواجهة قادمة لن تكون في مصلحتها.
ويرى سيف المثنى، الباحث في مركز واشنطن، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا يعيد التوازن العسكري لمصلحة الحكومة والتحالف، ويضع الحوثيين أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تصعيد محسوب بلا أفق حسم، أو الانخراط في تفاوض جدي.
هذه التطورات التي تشهدها الساحة اليمنية لصالح الشرعية جاء في ظل حالة نقاهة تعيشها جماعة الحوثي بعد توقف الضربات الإسرائيلية، وقبلها الأمريكية، لكنها تأتي أيضاً في ظل حالة عدم يقين، بعد الهزات التي تتعرض لها إيران حالياً، بسبب التظاهرات، التي قد تؤدي إلى سقوط النظام.
دمج القوات
وثمة من يرى أن المشهد في عدن لم يتضح بعد، لأن السيطرة هناك لا تزال لقوات كانت جزءاً من الانتقالي أو قريبة منه، وهي قوات العمالقة التابعة لعضو مجلس القيادة، عضو المجلس الانتقالي المنحل، عبد الرحمن الحرمي، وهذا ما ذهب إليه الخبير العسكري والاستراتيجي الدكتور علي الذهب.
وفيما يتعلق بجماعة الحوثي، قال الذهب، إن التعاطي مع الجماعة مرتبط بما سينتج عن اللجنة العسكرية العليا التي جرى إعلانها مؤخراً تحت إشراف التحالف العربي بقيادة السعودية.
وأضاف أن نجاح اللجنة في إنجاز مهمة إعادة توحيد القوات المسلحة ودمجها ضمن كيان وطني واحد، ممثَّل بوزارة الدفاع وهيئة رئاسة الأركان، من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على جماعة الحوثي، لا سيما بعد تعثر محاولات دمج مختلف التشكيلات العسكرية وتوحيدها خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن إسناد مهمة دمج القوات اليمنية إلى التحالف بقيادة السعودية من شأنه دفع عملية الدمج إلى الواجهة، مشيراً إلى أن أي رفض أو تمنّع من بعض الأطراف سيقابله رد فعل من التحالف، في حين ستتم معالجة الأسباب الوجيهة التي قد تُطرح من وجهة نظر التحالف أيضاً.
وأشار إلى أن الهدف الأساسي في المرحلة الحالية يتمثل في توحيد قرار الجيش تحت هيكل عسكري واحد، لافتاً إلى وجود صعوبات تقف أمام هذا المسار، تقودها عناصر بارزة داخل مجلس القيادة الرئاسي، والتي أصبحت اليوم في مواجهة مع التحالف بقيادة السعودية.
وفي سياق متصل، اعتبر الذهب أن التوجه الجديد الذي أسفر عن استعادة محافظتي حضرموت والمهرة شجّع رئيس مجلس القيادة الرئاسي على دفع ملف دمج القوات إلى التحالف، واصفاً هذا الخيار بأنه الأقل كلفة في ظل الظروف الراهنة، رغم ما يثيره من إشكاليات متصلة بالسيادة.
وأضاف أن المواجهة مع جماعة الحوثي ستبقى حاضرة، مرجحاً أن تزداد فاعليتها بعد توحيد القرار العسكري، ووجود إرادة واحدة وغرفة عمليات موحّدة في مواجهة الجماعة.