Logo

حين يغدو الماضي سجنا لا ذاكرة، وسلاحا لا درسا

 ليست المأساة في أن نستحضر الماضي، بل في الطريقة التي نستحضره بها.
حين يتحول التاريخ من مجالٍ للعبرة إلى ساحةٍ لإحياء العداوات، يصبح عبئا على الحاضر بدل أن يكون نورا له.
 نستدعي أسماء وشخصياتٍ وصراعاتٍ لا لنفهم شروط النهوض والسقوط، بل لنؤكد اصطفافاتٍ قديمة، فنورّث أبناءنا خصوماتٍ لم يعيشوها، ونغرس في وعيهم أن الهوية صراعٌ لا مشروع.
إن القول (لو كان حكمنا فلان لكان حالنا أفضل) ليس تحليلا بقدر ما هو تعبير عن إحباط، إنه حنينٌ إلى مخلّصٍ رمزي، وهروبٌ من سؤالٍ أصعب: ماذا نفعل نحن اليوم؟
فالتاريخ لم يكن نتاج أفرادٍ فقط، بل نتاج ظروف وسنن ومؤسسات وتبديل الأسماء لا يبدل القوانين.
حين نقدّس الأشخاص بدل أن نبني القيم، ونختلف على روايات الماضي بدل أن نتفق على مشروع المستقبل، فإننا نثبت أقدامنا في الأمس ونطلب من الغد أن يتقدم.
وهكذا يغدو الماضي سجنا لا ذاكرة، وسلاحا لا درسا.
الأمم الناضجة والواعية لا تمحو تاريخها، لكنها لا تسمح له أن يمحوها، تستحضره لتفهم لا لتنتقم، لتتعلم لا لتتنازع.
فالماضي إن لم يُستثمر في إصلاح الواقع، تحوّل إلى وقودٍ لعداواتٍ جديدة، وأضاع علينا فرصة أن نصنع تاريخا يستحق أن يُستحضر.