Logo

استقلال أوروبا الفضائي... القارة العجوز في مواجهة أزمة صواريخ

 تواجه أوروبا اختباراً حاسماً في مسعاها إلى امتلاك قدرة مستقلة على الوصول إلى الفضاء، بعدما أوقفت شركة سبايس إكس الأميركية بيع رحلات على متن صاروخها فالكون 9 لما بعد عام 2028.

 ويثير القرار قلق المؤسسات والشركات الأوروبية التي كانت تعوّل على الصاروخ لنقل أقمارها إلى المدار، ويفتح سؤالاً بشأن قدرة القارة على تنفيذ خططها الفضائية من دون الاعتماد على خدمات الإطلاق الأميركية.

ازدادت المخاوف مع استعداد الشركة لتوسيع نشاط صاروخها العملاق ستارشيب، الذي بدأ نشاطه التجاري في 28 سبتمبر/أيلول الماضي. 

وكان فالكون 9، القادر على تنفيذ رحلة كل يومين، خياراً أساسياً لجهات أوروبية كثيرة. ومع إغلاق باب الحجوزات لما بعد 2028، باتت هذه الجهات مطالبة بتأمين بدائل.
 
تتضمن الخطط الأوروبية كوكبة الاتصالات السيادية "إيريس²"، التي ستضم 330 قمراً في المدار الأرضي المنخفض و18 في المدار المتوسط، وكوكبة عسكرية ألمانية يتجاوز عدد أقمارها مئة في مرحلتها الأولى. 

كما تشمل إطلاق 12 قمراً لنظام الملاحة غاليليو، وستة أقمار لشبكة مراقبة الأرض كوبرنيكوس.

وحذّر الرئيس التنفيذي لـ"أريان غروب"، كريستوف برونو، من أن تنفيذ هذه الإطلاقات في وقت متزامن خلال عام 2029 سيتجاوز القدرات المتاحة. 

وقد يؤدي نقص الصواريخ إلى تأخير نشر "إيريس²" أو تحديث غاليليو، بما يطيل اعتماد أوروبا على خدمات أميركية، وفي مقدمتها شبكة "ستارلينك".

يقدّر دافيد كافايوليس، رئيس شركة أريان سبايس المسوّقة لـ"أريان 6"، أن تلبية الطلب المؤسسي الأوروبي تتطلب نحو 20 عملية إطلاق موزعة على سنوات.

 ويرى أن تنفيذ تسع إلى عشر رحلات سنوياً ابتداء من 2027 قد يغطي هذه الاحتياجات وجزءاً من الطلب التجاري، فيما يتطلب تسريع نشر الأقمار رفع المعدل إلى ما بين عشر و15 رحلة سنوياً.

تعمل "أريان غروب" على رفع إنتاج أريان 6 إلى 12 أو 15 صاروخاً سنوياً. ويتطلب ذلك تحديث خطوط التصنيع وتنسيق عمل نحو 600 شركة مورّدة، 

إلى جانب معالجة قاعدة العائد الجغرافي، التي تضمن للدول الأوروبية الـ13 المشاركة منافع اقتصادية تتناسب مع مساهماتها في البرنامج.

يحتاج رفع وتيرة الإطلاق أيضاً إلى تطوير منشآت مركز غويانا الفضائي في كورو، خصوصاً مرافق إنتاج الوقود الصلب لمحركات P160C المستخدمة في معززات "أريان 6" والمرحلة الأولى من الصاروخ الإيطالي فيغا-سي.

 وتبلغ الطاقة الإنتاجية الحالية لهذه المحركات 35 وحدة سنوياً، وفق فلوريان لور.

تظهر خيارات إضافية مع دخول شركات ناشئة سوق الإطلاق. فقد شكلت الرحلة الأولى للصاروخ الألماني الصغير سبكتروم في ليلة الخامس إلى السادس من سبتمبر، مؤشراً إلى إمكان تنويع القدرات الأوروبية. 

وتعمل نحو عشر شركات أخرى على صواريخ خفيفة، بينها هايبرسبيس الفرنسية، التي تستعد لاختبار صاروخها باغيت وان في رحلة شبه مدارية عام 2027.
 
يُنتظر أن يكون 2027 عاماً مفصلياً، مع تخطيط مايا سبيس، التابعة لـ"أريان غروب"، وشركتي لاتيتيود وسيريوس سبيس الفرنسيتين، وبي إل دي سبيس الإسبانية، لتنفيذ الرحلات الأولى لصواريخها.

لكن التأخير شائع في قطاع الفضاء. وتستعد سيريوس سبيس لبدء اختبارات اعتماد محرك صاروخها في نوفمبر بموقع أريان غروب في فيرنون. 

ويؤكد مؤسسها أن اجتياز الرحلة الأولى يختلف عن بناء قدرة صناعية تنتج صاروخاً كل شهرين، ثم صاروخاً شهرياً؛ وهي وتيرة ساعدت سبايس إكس على ترسيخ موقعها.

ويرجّح فيليب تريلات، المدير العام لشركة لاتيتيود، أن تتضح بحلول 2032 الشركات والحلول الأكثر موثوقية وتنافسية.

ويطرح خبراء تصوراً يجمع صاروخاً أو صاروخين أوروبيين ثقيلين مع صواريخ صغيرة في دول القارة. 

وتفيد الصواريخ المصغرة في المهمات الخاصة والحمولات المحدودة، لكنها لا تلبي وحدها احتياجات نشر الكويكبات الكبيرة، ما يعيد طرح مسألة تطوير بديل لـ"أريان 6" قرابة 2035.

وتشكل منصات الإطلاق تحدياً موازياً. فبحسب كافايوليس، يمكن لمنصة واحدة استيعاب 12 إلى 14 رحلة لـ"أريان 6" سنوياً، فيما يتطلب تجاوز 15 رحلة إنشاء منصة ثانية.

وقد دفعت هذه القيود شركة لاتيتيود إلى اختيار سلطنة عُمان لإطلاق صاروخها الأول، مستفيدة من موقع غير مستخدم يتيح مرونة أكبر في التجهيز وإجراءات السلامة. 

واختارت "مايا سبيس" و"بي إل دي سبيس" كورو، فيما أطلقت إيسار إيروسبيس صاروخها من النرويج.

تتوقف استقلالية أوروبا الفضائية على بناء منظومة متكاملة تشمل إنتاج الصواريخ بوتيرة منتظمة، وتأمين سلاسل التوريد، وتوسيع منصات الإطلاق. 

ومع اقتراب مواعيد نشر الكوكبات الأوروبية، يضيق هامش الوقت؛ فأي تعثر في هذه العناصر قد يؤخر مشاريع الاتصالات والملاحة والأمن، ويبقي القارة معتمدة على خيارات الإطلاق الخارجية وتراهن أوروبا على إنجاز هذه المشروعات ضمن مواعيدها المعلنة.