كيف تربح الصحافة في زمن الذكاء الاصطناعي؟
في الماضي، كانت الصحافة تجني المال مباشرة من القارئ، من خلال بيع الصحف والمجلات في الأكشاك والشوارع وعبر التوصيل إلى المنازل.
عندما جاء الراديو والتلفزيون استمرت الإعلانات في أن تكون المصدر التقليدي للأرباح. لكن الأمر يتغيّر الآن في عصر الذكاء الاصطناعي.
صارت روبوتات الدردشة تقدّم للقارئ المعلومات مباشرة، مأخوذة من منصات الصحافة الإخبارية، من دون تعويضها مادياً. ومع الوقت يبدو أن القارئ يتخلى عن زيارة المواقع، لأنه يحصل على المعلومات التي يريدها دون النقر على أي شيء.
ولأن الزيارات تعني مشاهدة الأخبار والإعلانات معها، فهذا يعني أن ضعف الزيارات يعني ضعف الإيرادات، ما يهدد الصحافة.
وداخل المؤسسات الصحافية، على مدى السنوات القليلة الماضية، أجرى الناشرون تجارب مكثفة باستخدام الذكاء الاصطناعي، شملت مجالات الكتابة والتحرير والتوزيع وتخصيص المحتوى والتحليلات.
وسلّط تقرير "الابتكار في عالم الإعلام" لعامي 2026 و2027 الضوء على تحقيق العوائد المالية من الذكاء الاصطناعي وتقليل الاعتماد على المنصات الرقمية.
وكُشف عن التقرير أمام المشاركين الأربعاء الماضي، في اليوم الأول من المؤتمر العالمي للإعلام لاتحاد الدولي للناشرين الدوريين.
بدائل الإعلانات
استعرض التقرير نماذج الإيرادات الأساسية للمؤسسات الصحافية غير المبنية على الإعلانات فقط، بما في ذلك ترخيص المحتوى، والاشتراكات، والعضويات، ومنتجات المعلومات والتحليلات، والفعاليات، والتجارة، والبيانات؛ مع التركيز على تحويل المحتوى والأرشيف من أصول جامدة إلى مصادر فعالة ومدرة للدخل.
كما تبحث الدراسة في كيفية تهيئة الناشرين للمحتوى ليتناسب بشكل أمثل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، من خلال جعله قابلاً للقراءة والفهم بسهولة.
ينقل موقع الاتحاد الدولي للناشرين الدوريين، عن المستشار الأول في "إينوفيشن ميديا" للاستشارات، لوسيو ميسكيتا، أن "أدوات الذكاء الاصطناعي تشبه المراهقين إلى حد ما؛ فهي تفضل الحصول على النقاط الرئيسية والملخصات.
إنها لا ترغب في قراءة الكتاب بأكمله، بل تريد فقط معرفة النهاية لتتمكن من اجتياز الاختبارات. هذا هو نمط سلوكها تقريباً؛ لذا، عليك التفكير بهذه العقلية وإعداد المحتوى وفقاً لها أيضاً".
الثقة سلاح الصحافة ضد الذكاء الاصطناعي
يُظهر التقرير الجديد أن العمل الصحافي أصبح معنياً بضمان نزاهة المعلومات وموثوقيتها. ولتحقيق ذلك، يتعين على المؤسسات الإخبارية إعادة النظر ليس فقط فيما تنتجه، بل في كيفية إنتاجه أيضاً.
وذلك من خلال آليات عمل وتقنيات وهياكل إدارة تجعل مصادر المحتوى وأساليب إعداده وآليات المساءلة المتعلقة به واضحة وقابلة للتحقق.
يقول أحد معدّي الدراسة، خوان سينيور، إن "الندرة قد انتقلت من المحتوى إلى الثقة. فكّر في القراء؛ إنهم يتساءلون حقاً: 'هل هذا صحيح؟'.
إنهم يدركون حجم المعلومات المتاحة، لكنهم يوجهون السؤال إليك وإلينا: هل هذا صحيح؟
لذا، يجب على وسائلنا الإعلامية المتخصصة أن تنتقل إلى تقديم معلومات جديدة وصحيحة لا يعرفها الجمهور مسبقاً".
يضيف: "علينا الانتقال من موقف الدفاع إلى الهجوم، ويتم ذلك عبر التأكيد للجمهور أن محتوانا صحافة موثوقة وقابلة للتحقق ومن صنع البشر.
كما يجب أن يتغير محور النقاش السائد في قطاعنا اليوم، الذي يتسم بالدفاعية والشكوى من استغلال الآخرين لمحتوانا، ليصبح نقاشاً يركز على حقيقة أنهم بحاجة إلى محتوانا، ولماذا هم بحاجة إليه".
غرفة أخبار تعتمد على الذكاء الاصطناعي
يخصص التقرير فصلاً كاملاً لموضوع إنشاء غرفة أخبار تعتمد في جوهرها على الذكاء الاصطناعي، متناولاً جوانب مثل التصميم التنظيمي، وتحويل مسارات العمل، ودور وكلاء الذكاء الاصطناعي، وإعادة تحديد الأدوار التحريرية.
وينصبّ التركيز على دمج التكنولوجيا في صميم العمليات بدلاً من مجرد إضافتها طبقةً خارجية؛ فبعد أن كانت أدوات الذكاء الاصطناعي مجرد وسائل مساعدة، أصبحت الآن جزءاً لا يتجزأ من سير العمل.
وبالرغم من أن الذكاء الاصطناعي قادر على تولي المزيد من الجوانب الإجرائية والتقنية في العمل الصحافي، إلا أنه لا يلغي الحاجة إلى التقدير البشري؛ بل على العكس، فإنه يجعل هذا الدور أكثر بروزاً وأهمية.
يقول ميسكيتا: "لا يهم ما إذا كانت غرفة الأخبار تتألف من شخص واحد أو أشخاص عدة؛ فالمبادئ يجب أن تظل ثابتة.
وأعتقد أن هذا هو المبدأ الجوهري الذي يتعين علينا جميعاً التفكير فيه، سواء من منظور إنتاج المحتوى أو من منظور نموذج العمل".
وينبه ميسكيتا إلى ضرورة التمييز بين التعزيز والاستبدال. ويوضح أن "التعزيز يتعلق بتوسيع نطاق ما تفعله وتحسين ما تقدمه باستخدام الذكاء الاصطناعي؛
فقد يشمل ذلك تقديم إصدارات متعددة، أو تخصيص المحتوى، أو بناء عناصر مختلفة بوصفها جزءاً من المحتوى الخاص بك؛ فكل هذا يندرج تحت بند التعزيز"،
"أما الاستبدال فيعني ببساطة تحويل المهام التي تؤديها بعض فرق العمل حالياً لتصبح مؤتمتة بالكامل عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، وهي مسألة بالغة الأهمية.
فنحن نرى أحياناً من يقول: 'حسناً، رائع، سأقوم بأتمتة عمل الجميع'. أنت تدرك أن هناك خدمات جديدة تُنجز بالكامل بواسطة الآلة؛ وهذا يمثل أقصى درجات الاستبدال. ورجاءً، إذا كنت تفكر في هذا الأمر، فتراجع عنه".
ضرورة علاقة مباشرة مع الجمهور
يقدّم التقرير استراتيجيات لبناء علاقة مباشرة مع الجمهور، بما في ذلك نشرات البريد الإلكتروني، والتطبيقات، والبودكاست (الصوتي والفيديو)، والمجتمعات، والعلامات التجارية التي يقودها الصحافيون.
ويؤكد التقرير أن التحول بعيداً عن المنصات، والتوجه نحو امتلاك علاقة مباشرة مع الجمهور، لا يمثل مجرد تعديل استراتيجي واحد، بل هو إعادة تشكيل شاملة لكيفية تعامل المؤسسات الإعلامية مع التوزيع والبيانات والتفاعل.
وينبه إلى أن النموذج الذي يتبلور حالياً هو نموذج لا تكمن فيه قيمة الجمهور في حجمه فحسب، بل في عمق واستدامة العلاقة القائمة معه.
فرصة جديدة أمام الصحافة المطبوعة؟
يخصص التقرير فصلاً لبحث كيف تستعيد الصحافة المطبوعة قيمتها في عصرٍ يفيض بالمحتوى الرقمي. ويوضح أن المطبوعات قادرة على ترك بصمة قوية بفضل وجودها المادي الملموس؛
فهي تفتح باباً للحوار بدلاً من الاكتفاء بملاحقة الانتباه العابر، وتوفر ملاذاً بعيداً عن المشتتات الرقمية، مما يجعل المعلومات والأفكار والعلامات التجارية أكثر رسوخاً في الذاكرة.
ومن خلال أمثلة من مختلف أنحاء العالم، تُظهر الدراسة أن بعض أكثر التجارب الإعلامية إثارة للاهتمام اليوم تقع في منطقة وسطى بين التصنيفات التقليدية؛
فهي تجمع بين النشر، والتكنولوجيا، وتقديم تجربة فريدة، لدرجة أنها قد لا تُصنف "وسائلَ إعلام" بالمعنى التقليدي المألوف.
وما يجمع هذه التجارب ليس قالباً موحداً، بل إدراكٌ بأنه في عصرٍ يكاد يكون فيه المحتوى لا نهائياً، قد يعني الابتكار أحياناً ابتكار شيءٍ ذي حدود واضحة؛ شيءٍ ملموس، ومرتبط بسياقٍ محدد، ويصعب تكراره على نطاق واسع.
يقول سينيور: "أعلم أنه من الجرأة بمكان أن ندعي كوننا حراس الحقيقة، لكنني أرى أن هذا الطرح ملائم تماماً، ويمثل موقعاً استراتيجياً ممتازاً، وإن كان يحتاج إلى صياغة وتعبير دقيق".
ويضيف: "إذا كنا مجرد شركات إعلامية تنتج المعلومات، فيجب أن يتسم خطابنا الموجه للقراء، والمعلنين، والمنصات الجديدة التي تبني شبكة الإنترنت، بالثقة؛ بحيث نؤكد أننا الجهة التي ستنقل لكم الحقيقة في عالمٍ مليء بالأكاذيب.
يمكن لوسائل الإعلام أن تقوم بهذا الدور، بل وينبغي عليها ذلك؛ وأعتقد أن هذه هي قيمتنا الحقيقية اليوم أكثر من أي وقت مضى".