الدار العراقية للأزياء... بغداد تخيط تاريخها قطعةً قطعة
تتجاوز الدار العراقية للأزياء كونها مؤسّسة حكومية تُعنى بتصميم الملابس، لتصبح أشبه ببوابة تعيد الزائر إلى حضارات بلاد الرافدين، إذ تتجاور في أروقتها ملامح بابل وآشور، والأزياء العباسية والإسلامية
إلى جانب الزي العربي والكردي، في محاولة للحفاظ على ذاكرة عراقية عمرها آلاف السنين.
تأسست الدار العراقية للأزياء عام 1970، وهي تتبع لوزارة الثقافة والسياحة والآثار. منذ ذلك الحين أخذت على عاتقها مهمة توثيق التراث العراقي وتجسيده عبر الأزياء والعروض الفنية،
فيما تشهد اليوم نشاطاً متزايداً لإعادة تقديم الموروث العراقي في المحافل المحلية والدولية، بالتزامن مع تنامي الاهتمام الشعبي بإحياء الأزياء والأساطير والرموز التي تمثل الحضارات العراقية القديمة.
وعلى الرغم من التحديات التي تواجهها الدار، ولا سيّما نقص الأيدي العاملة وقدم بعض المعدات، فإنها ما تزال تستقطب الطلبة والفنانين والصحافيين والمهتمين بالتراث، بوصفها واحدة من المؤسسات التي تحفظ جانباً مهماً من الذاكرة الثقافية العراقية.
تقول المديرة العامة للدار العراقية للأزياء، نجوان فارس عبد الله، إن مهمة الدار الأساسية هي "الحفاظ على الموروث القديم لبلاد الرافدين، عبر تصميم وإنتاج الأزياء التي تحاكي الحضارات العراقية القديمة، ولا سيّما البابلية والآشورية،
فضلاً عن إقامة عروض الأزياء داخل العراق وخارجه"، وتفيد بأنّ الدار "استطاعت خلال السنوات الماضية المزج بين التراث والحداثة من خلال توظيف مخيلة المصممين بما يتناسب مع ذائقة الجيل الجديد"،
وتوضح أن "الأفكار مستوحاة من الألوان والطراز القديم، لكن يجري تقديمها بتصاميم حديثة تجمع بين الفكرة التراثية والشكل المعاصر"
وتشير إلى أن الدار متخصّصة في الحفاظ على التراث وعرضه، ولذلك فإنّ القطع التي تنتجها ليست مخصّصة للبيع، وإنما تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية التي تعمل المؤسسة على صونها وإيصالها إلى الجمهور.
وتؤكد أن "أزياء الدار تتميز بتصاميمها المختلفة عما هو موجود في الأسواق أو ما يستورد، كونها تُنفذ يدوياً من المصممين والعاملين في الدار، الأمر الذي يمنح كل قطعة خصوصيتها وقيمتها الفنية والتراثية".
داخل متحف الدار العراقية للأزياء تبدو الأزياء وكأنها وثائق حية لتاريخ البلاد، إذ توثق كل قطعة مرحلة أو حضارة أو رمزاً من الرموز التي شكلت هوية العراق الثقافية. مديرة المتحف، تمارة فهمي عمر،
تقول إن جميع الأزياء المعروضة في المتحف تجسد جوانب من التراث العراقي القديم، مبينة أن من بينها "زي الزخارف النباتية" الذي نُفذ عام 1970، و"زي النخلة العراقية، نخلة أكد" الذي نُفذ عام 1998،
وتشير إلى "وجود أزياء أخرى تمثل العصور العباسية والإسلامية، فضلاً عن الزي الآشوري الذي نُفذ عام 1998، إلى جانب الأزياء البابلية والكردية والعربية وغيرها".
وتوضح أن أعمار الأزياء تختلف بحسب تاريخ صناعتها داخل الدار، فيما يستغرق تنفيذ بعضها وقتاً طويلاً بسبب اعتمادها على العمل اليدوي، وهو ما يجعل عملية إنتاجها أكثر دقة وتعقيداً مقارنة بالملابس المصنعة بالآلات الحديثة.
ولم تقتصر محاولات الدار على الحفاظ على جمهورها التقليدي، إذ تسعى إلى الوصول إلى الأجيال الجديدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن مركز التدريب والتطوير الموجود داخل الدار، والذي ينظم ورشاً ودورات في الخياطة والتصميم.
وتشرح نجوان فارس عبد الله أنّ "هذه الورش تسهم في تطوير مهارات الشباب وفتح المجال أمامهم لإطلاق مشاريعهم الخاصة، مع العمل على دمج مهاراتهم وأفكارهم مع متطلبات السوق والذائقة الحديثة
كما تمكنت الدار من إطلاق عدد من المصممين والفنانين، من بينهم شمم الحسن والمصمم سيف العبيدي والمصممة ميلاد حامد.
ويقول حسن جعفر من إعلام الدار العراقية للأزياء إن "مركز تدريب الأزياء في الدار يؤدي دوراً مهماً في استقطاب وتطوير الطاقات الشبابية التي تمتلك الشغف والموهبة في مجال الأزياء"،
مبيناً أن "عدد خريجي المركز منذ تأسيسه عام 2016 تجاوز 300 متدرب"، ويوضح جعفر أن "البرنامج التدريبي يمتد لشهرين ويتضمن دورات مكثفة في التصميم والفصال والخياطة والإكسسوارات،
إلى جانب تطبيقات عملية على تصميم وتنفيذ الأزياء بمختلف أنماطها، سواء التاريخية أو الحديثة"
مشيراً إلى أنّ "المتدربين يحصلون في ختام الدورة على شهادة معتمدة من الدار، بما يساعدهم على دخول سوق العمل وتأسيس مشاريعهم الخاصة"،
ويضيف أن "عدداً من خريجي المركز تمكّنوا بالفعل من تأسيس مشاغل ومشاريع خاصة، تطورت لدى بعضهم لاحقاً إلى علامات تجارية ومعامل إنتاج"
لافتاً إلى أن "من بين النماذج التي يفتخر بها الدار المصممة عُلا عبد الكريم صاحبة علامة Ola Fashion، التي أسّست، بعد إكمال تدريباتها، مشغَلَها الخاص لإنتاج الفساتين والملابس النسائية، قبل أن تتمكن من تطوير مشروعها والوصول إلى علامة تجارية معروفة"،
ويضيف: "هذه التجارب تمثل ثمرة حقيقية للبرامج التدريبية التي تقدمها الدار، وتؤكد أهمية الاستثمار في المواهب الشبابية وتحويل شغفهم بالأزياء إلى مشاريع وفرص عمل مستدامة".
الحفاظ على هذا الإرث لا يخلو من تحديات، أبرزها نقص الأيدي العاملة المتخصّصة.
مديرة القسم الفني، المصممة شروق الخزعلي، من قسم الإنتاج والتصميم وتنفيذ الأزياء، تشير إلى أنّ "من أكبر التحديات التي تواجهنا نقص الأيدي العاملة بعد إحالة الموظفين إلى التقاعد، مقابل عدم امتلاك بعض الموظفين الجدد الخبرات والمهارات التي كان يتمتع بها العاملون السابقون، ما انعكس على مستوى الإنتاج وسرعته"،
وتضيف أن "المشكلة لا تتعلق بعدد الموظفين فحسب، وإنما بالخبرة المتراكمة التي تحتاجها صناعة الأزياء التراثية، والتي لا يمكن اكتسابها بسهولة خلال فترة قصيرة"،
وتوضح أن "التحديات لا تتوقف عند الموارد البشرية، إذ تعاني الدار أيضاً من قدم بعض المكائن والأدوات المستخدمة في الإنتاج والتصميم، في وقت تتطور فيه تقنيات صناعة الأزياء بسرعة"
مشيرة إلى أنّ "تحديث المعدات يمكن أن يختصر الكثير من الوقت والجهد". وتشير إلى أنّ "العمل الذي يحتاج إلى جهود ثلاثة موظفين يمكن أن تنجزه ماكينة واحدة، وبإمكانها إنتاج ما يحتاج إلى جهود خمسة موظفين بالوسائل التقليدية".
إلى جانب ذلك، تواجه الدار تحديات مالية، شأنها شأن العديد من المؤسسات الحكومية، في ظل الظروف الاقتصادية والمالية التي يمر بها العراق، الأمر الذي يجعل تطوير المعدات وتوسيع الإنتاج والمحافظة على المهارات التراثية مهمة تحتاج إلى دعم مستمر.
وبين أزياء بابل وآشور، والنخلة التي ترمز إلى أرض الرافدين، والأزياء العباسية والإسلامية والعربية والكردية، تحاول الدار العراقية للأزياء أن تجعل من التراث أكثر من مجرد قطع محفوظة داخل متحف؛ منحه حياة جديدة، وإعادة تقديمه بلغة يفهمها الجيل الجديد، ليبقى جزءاً من الذاكرة العراقية حاضراً في الداخل والخارج.
صفا الطائي