Logo

السينما الأردنية... مخرجات يرسمن الطريق إلى الشاشة

 يشكّل حضور المرأة الأردنية صانعةَ أفلامٍ في السينما العالمية أمراً لافتاً، ولا سيما في العقد الأخير. حضور يتّضح في إخراج أعمال تمثل الأردن في سباق جوائز أوسكار، 

وإنتاج أفلام تحصد الجوائز في المهرجانات الدولية الكبرى، ووجود بنية تحتية إنتاجية، تستقطب الإنتاجات الهوليوودية والدولية. 

أسماء نسائية عديدة تصدرت في أجزاء مختلفة من هذه الصناعة، بدءاً من الإخراج وكتابة السيناريو إلى الإنتاج وإدارة المشاريع دولياً. ورغم اختلاف التجارب؛ فإن مساراتهنّ تتيح لنا قراءة جانب مهم من تطور السينما الأردنية، وعلاقتها بالسينما العالمية.

الوصول إلى تمثيل الأردن في سباق أوسكار لا يأتي قراراً منفصلاً؛ إذ يحتاج الفيلم أن يجتاز سباقات ومحطات مهرجانية دولية حددتها مسبقاً أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، لكي يستوفي شروط القبول والتأهيل، قبل تمكّنه من تمثيل البلد في الفئة الدولية،

 وفي باقي الفئات أيضاً. وفي حال تقدم البلد بفيلم؛ فالتمثيل الرسمي يأتي دوماً بعد رحلة من المشاركات والاعترافات العالمية المانحة للتأهيل المشروط بمعايير الأكاديمية. هنا، نسلط الضوء على أبرز إنجازات المخرجات الأردنية في العقد الأخير.

في عام 2016، اختير فيلم "3000 ليلة" للمخرجة الفلسطينية الأردنية مي المصري لتمثيل الأردن في سباق أوسكار عن فئة أفضل فيلم بلغة أجنبية، وتعرف اليوم بفئة الفيلم الروائي الدولي. 

كانت انطلاقة عرض الفيلم في قسم السينما العالمية المعاصرة في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي عام 2015.
 
تدور أحداث الفيلم حول معلمة فلسطينية تُعتقل وتلد طفلها داخل سجن إسرائيلي. جمعت مي المصري ببراعة في معالجتها بين التجربة الفردية والسياق السياسي الأوسع.

 ورغم أن الفيلم لم يصل إلى الترشيحات النهائية، فإنّ اختياره وضع تجربة نسائية جريئة على الخريطة في واجهة التمثيل السينمائي الأردني دولياً.

صدر فيلم "فرحة" للمخرجة والكاتبة الأردنية دارين سلام في عام 2021، واختير لتمثيل الأردن في أوسكار عام 2022. يتناول الفيلم النكبة الفلسطينية عام 1948 من منظور فتاة في الرابعة عشرة من عمرها. 

برع السرد السينمائي في استعراض حدث تاريخي متشعب عبر حصر منظوره داخل تجربة شخصية صغيرة واحدة. 

حقق الفيلم حضوراً وأثراً دولياً بعد عرضه الأول في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، ومن ثم وصوله إلى جمهور عالمي عبر منصة نتفليكس. 

فضلاً عن أهميته السينمائية نصاً وإنتاجاً وإخراجاً، كما أنه أثار نقاشات حادة حول الذاكرة الفلسطينية وتمثيل التاريخ على الشاشة.

بعد ثلاث سنوات، وقع الاختيار على الفيلم الوثائقي "أرضي الحلوة" (My Sweet Land) كي يمثل الأردن في أوسكار لعام 2025. الوثائقي للمخرجة الأردنية الأرمنية سارين حيرابيديان. 

تتابع في العمل قصة حياة طفل أرمني عمر 11 عاماً، يعيش في إقليم ناغورنو كاراباخ وسط النزاع الذي يهدّد وجود عالمه وارتباطه بأرضه.

 عُرض الفيلم لأول مرة عالمياً في Sheffield DocFest في يونيو/حزيران 2024، وDOC NYC في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.
 
حصد العمل جوائز واهتماماً مستحقاً في مهرجانات دولية، من بينها مهرجان عمّان السينمائي الدولي، لكن الهيئة الملكية الأردنية للأفلام سحبت ترشيحه لاحقاً تحت ضغوط دبلوماسية،

 إضافة إلى حظره في الأردن. إلى جانب قيمتها الفنية، تكشف هذه التجربة عن التعقيدات التي قد تواجه الأفلام أحياناً، حين تنتقل من سياق إبداعي إلى سياقات التمثيل الرسمي والعلاقات الدولية.

بدورها، دخلت المخرجة الفلسطينية الأردنية الأميركية شيرين دعيبس سباق أوسكار بفيلمها "اللي باقي منك" (2025). تمتد قصة الفيلم زمنياً عبر عدة أجيال من عائلة فلسطينية، ليتتبع آثار النكبة على الذاكرة والحياة اليومية والعلاقات العائلية. 

أكمل الفيلم طريقه ليصل بالفعل إلى القائمة القصيرة لأوسكار، في سابقة أولى عن الأفلام التي اختارتها الأردن لتمثيلها؛ إذ كان أول فيلم من اختيار المملكة لهذه الفئة من إخراج امرأة يصل إلى تلك المرحلة.

عُرض "اللي باقي منك" عالمياً لأول مرة في مهرجان صندانس السينمائي الدولي، وفاز بجائزة اليسر الفضي في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي (2025)، 

كما نال ترشيح أفضل فيلم دولي لعام 2026 لجائزة Indepndent Spirit Award. صُوّر الفيلم في عمّان ومحافظة البلقاء، بمشاركة نحو تسعين فرداً من الطواقم المحلية.
 
اختير فيلم الدراما العائلية "غرق" للمخرجة الأردنية زين دريعي لتمثيل الأردن في دورة أوسكار لعام 2027. يستعرض العمل مرحلة حرجة في حياة أسرة يواجه فيها الابن الأكبر، باسل، الطالب في المرحلة الثانوية، تدهوراً حاداً في صحته النفسية. 

يأتي هذا الاختيار امتداداً لحضور متزايد للمخرجات في قائمة الأفلام الناجحة مسبقاً، والتي تراهن عليها المملكة للوصول إلى الجمهور الدولي. لكن الاختيار الرسمي لا يعني بالضرورة الوصول إلى الترشيحات النهائية؛

 فلكلّ فيلم مساره الخاص، ولكل عمل ظروفه الفنية والإنتاجية والتوزيعية.

لا تكتمل صورة الحضور النسائي في السينما الأردنية بالحديث عن المخرجات الكاتبات وحدهن؛ فخلف كل فيلم توجد رحلة (غالباً شاقة) من التمويل والتنسيق والشراكات وإدارة الإنتاج. 

يتطلب ذلك لاعبي أدوار فنية كثراً، بخبرات طويلة وقدرات متنوعة. كي يتحوّل المشروع من نص ورقي إلى عمل إنتاجي ملموس، وقابل للتنفيذ.

المخرجة رولا الناصر من أبرز الأسماء في هذا المجال. بدأت مسيرتها الإنتاجية عام 1999، وعملت لاحقاً في الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، فساهمت في تأسيس برنامج دعم صانعي الأفلام. 

أسست شركة Imaginarium Films في عام 2011، التي أنتجت أعمالاً أردنية وعربية شاركت في مهرجانات دولية. من بين هذه الأعمال "الجمعة الأخيرة" و"الزقاق" و"إن شاء الله ولد" الذي مثّل الأردن في سباق أوسكار لعام 2024.

 كما شاركت الشركة في إنتاج "اللي باقي منك". وللشركة دور أساسي في استقطاب الأعمال الهوليوودية التي تُصوّر في الأردن، مثل "كثيب" و"علاء الدين" Aladdin و"حرب النجوم"، والعديد من الإنتاجات الضخمة بمشاركة طواقم العمل الأردنية.
 
ومن الأسماء المرتبطة مباشرة بهذا السياق أيضاً ديما عازر وآية جردانة، اللتان اشتركتا في إنتاج فيلم "فرحة" لدارين سلام. شاركت ديما عازر (منتجة الأفلام ومستشارة السيناريو) في تأسيس شركة TaleBox التي تعمل على تطوير المواهب والمشاريع السينمائية في الأردن والمنطقة. 

وعملت سابقاً في الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، إذ أدارت برامج تدريب لصنّاع الأفلام العرب. وشاركتها الإنتاج آية جردانة التي تعمل حالياً على الفيلم الروائي Churching of Women للمخرجة دارين سلام، في تعاون يواصل دعم الأصوات النسائية في السينما العربية.

لا تقتصر مساهمة المرأة في السينما الأردنية على الرؤية الإبداعية، بل تشمل أيضاً بناء العلاقات الإنتاجية وتطوير المشاريع المحلية وربطها بشبكات التمويل والتوزيع الدولية، والبنية الضرورية لاستمرار الصناعة، خصوصاً في سوق محدودة الحجم تحتاج إلى الشراكات والإنتاج المشترك.

 فالإنتاج هو المحرك الأساسي، إن لم يكن الوحيد، في إيصال القصص المحلية إلى المنصات العالمية. الالتفات إلى هؤلاء النساء يوسّع صورة الإنجاز السينمائي بوصفه ثمرة منظومة من التعاون والقدرة على بناء المشاريع واستدامتها، وليس نتاج موهبة فردية.

لا يعني هذا المنظور أنّ اختيارات أوسكار الرسمية وحدها التي تقيس العمل أو قيمته الفنية، ولا أنّ الطريق السينمائي للعالمية أصبح سهلاً أمام صانعات الأفلام في الأردن. لكنه يمكننا من رؤية تنوع الأدوار التي يشغلنها.

 كما ويرينا انتقال بعض التجارب الإنتاجية من حدود المحلية إلى المنصات الدولية. الحضور النسائي هنا يفتح المجال أمام قراءة أوسع لمكانة المرأة في السينما الأردنية بكونها صانعة قصص ومؤسسات وشبكات دعم قادرة على تحويل الأفكار إلى أفلام، والخطط إلى تنفيذ.

أسماء قليلة منتقاة من بين الكثيرات اللاتي لا يسع ذكر وحصر إنجازاتهن في المجالات السينمائية المتنوعة. تكمن أهمية هذه الأعمال في الاعتراف باختلافها، وفهم الدور الذي أدته كل صانعة منهنّ في تشكيل المشهد السينمائي الأردني.

 قد يكون الوصول إلى أوسكار محطة لافتة، لكنها محطة واحدة. اللافت أكثر هو بنائهنّ لصناعة قادرة على الاستمرار؛ الأمر الذي يتطلب ما هو أبعد من محطة، مثل الفرص المتاحة، والتمويل المستمر، والاعتراف بالكفاءات، والأهم: مساحة تسمح للأفلام الأردنية بأن تُصنع وتُشاهَد وتُناقَش.

سندس مصطفى
كاتبة ومخرجة سينمائية أردنية