Logo

مهرجان سورية 2026: قلعة دمشق تفتح أبوابها للأطفال

 بين مسرح العرائس ومساحات الرسم والعلوم والكتب والحرف التقليدية، تتنقل عائلات سورية بين أروقة قلعة دمشق، فيما يخوض الأطفال تجارب متنوعة، تبدأ من الوقوف أمام الكاميرا في ركن إعلامي، ولا تنتهي عند التعرف إلى الآثار والتراث والمشاركة في الأنشطة التفاعلية والترفيهية، غير أنّ القلعة نفسها تبدو جزءاً أساسياً من التجربة، إذ يدخلها كثيرون للمرة الأولى، بعدما ظلت لعقود بعيدة عن الاستخدام اليومي للجمهور.

ومنذ انطلاق مهرجان "صيف سورية للعائلة 2026" في قلعة دمشق، في 6 أغسطس/ آب الحالي، تحولت مساحات القلعة إلى مجموعة من الأجنحة والفعاليات المخصصة للأطفال والعائلات، في محاولة للجمع بين الترفيه والمعرفة والثقافة في مكان واحد، على أن تستمر فعاليات نسخة دمشق حتى 21 من الشهر نفسه.

 وتتنوع أنشطة المهرجان بين عروض الأطفال والمسرح والحكواتي، ومساحات مخصصة للعلوم والابتكار والكتب والفنون 

 إلى جانب ألعاب الأطفال والتحديات التي تعتمد على التركيز والتفكير، ومنها الشطرنج وغيره من الألعاب الذهنية، فضلاً عن الحرف التقليدية والتراث الشعبي.

ويتيح جناح الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون للأطفال تجربة الوقوف أمام الكاميرا وتسجيل محتوى ضمن "بودكاست الطفل"، فيما يضم المهرجان جناحاً لذاكرة الإعلام السوري، يعرض صوراً وأجهزة ومقتنيات قديمة، 

إلى جانب معرض يضم 23 قطعة أثرية سورية مستعادة من فرنسا بعد غياب استمر نحو 15 عاماً.

ويقول معاون مدير مهرجان "صيف سورية" عارف جويجاني إن القائمين على المهرجان سعوا منذ مرحلة التخطيط إلى تقديم محتوى "ثقافي وترفيهي وتفاعلي وعلمي ومعرفي" للطفل، وإتاحة المجال أمامه للتعرف إلى تراث بلده ضمن مكان واحد.  

وبحسب جويجاني، كان القائمون على المهرجان يتوقعون استقبال نحو 20 ألف زائر يومياً، إلا أن عدد الزوار تجاوز التوقعات منذ اليوم الأول، مشيراً إلى أن الأقسام المختلفة، ومن بينها المسرح الذي يتسع لنحو ألف شخص، تعمل بكامل طاقتها.

ولا تقتصر خطة المهرجان على العاصمة دمشق، إذ يوضح جويجاني أن فعاليات "صيف سورية للطفل والعائلة" تقام في عامها الأول في 11 محافظة سورية، على أن يكون الهدف مستقبلاً الوصول بها إلى جميع المحافظات وتحويلها إلى فعالية سنوية تتكرر كل صيف.

 وفي السياق نفسه، انطلقت فعاليات مهرجان "صيف حوران الأول 2026" في محافظة درعا، أول من أمس الاثنين، بالتوازي مع استمرار فعاليات نسخة دمشق.
 
لا يفصل منظمو المهرجان اختيار قلعة دمشق عن الهدف الثقافي للفعالية، إذ أتاح المكان، وفق جويجاني، للأطفال والعائلات التعرف مباشرة إلى جزء من تاريخ دمشق وآثارها،

 ويقول "وجودنا في قلعة دمشق جعل الطفل يتعرف على آثار بلده وتراثه، وكانت لدينا تجربة متحفية تُقدم له، كما يتعرف إلى القلعة وتاريخها من الداخل"،

 ويضيف أن اختيار القلعة جاء أيضاً في إطار الرغبة في إعادة تقديم المكان إلى الجمهور، بعد عقود ظل خلالها بعيداً عن السوريين، قائلاً: "قلعة دمشق كانت مغلقة من النظام البائد منذ سنة 1983 بحجة الترميم. 

أنا ابن الشام وعمري الآن 51 سنة، ودخلتها للمرة الأولى خلال التحضير لهذا المهرجان".
 
وبحسب جويجاني، أراد المنظمون كذلك تغيير الصورة التي ارتبطت لدى بعض السوريين بالقلعة، ولا سيّما بسبب استخدامها سجناً في مراحل سابقة، 

ويقول: "نريد أن نغيّر نظرة الناس إلى هذه القلعة، من مكان مخيف إلى مكان يشعرون فيه بالانتماء إلى تاريخهم وتراثهم".

ويؤكد معاون مدير المهرجان أن إقامة الأنشطة داخل القلعة تجري بالتنسيق مع المديرية العامة للآثار والمتاحف، وأن التعليمات المتعلقة بحماية الموقع الأثري "صارمة"، ويشدد قائلاً: "ممنوع أن يُمس حجر، أو يُدق فيه مسمار، أو يوضع وتد في الأرضية".

إلى جانب الأنشطة الترفيهية والتعليمية، خصص مهرجان "صيف سورية" مساحات للأطفال المعوقين، بهدف إشراكهم في الأنشطة التي يرتادها بقية الأطفال. 

وتقول رئيسة جمعية رعاية الأطفال المصابين بالشلل الدماغي الدكتورة سحر قره باش إن مشاركة الجمعية، بالتعاون مع مركز متخصّص في تأهيل الكلام واللغة، لا تقتصر على تقديم خدمات تعريفية،

 وإنما تشمل اصطحاب الأطفال إلى المهرجان وإشراكهم في أنشطة تتناسب مع قدراتهم.

وترى قره باش أن أهمية مثل هذه الفعاليات تكمن في "دمج هؤلاء الأطفال في المجتمع"، 

وتضيف: "كثيراً ما يشعر الطفل هنا بأنه لا يختلف عن الأطفال الآخرين، ويشارك في النشاطات. وإذا كان لا يستطيع القيام بنشاط حركي، يمكنه الرسم أو التلوين أو الرسم على الوجه والتفاعل مع الآخرين".

ويشدّد سفير ذوي الهمم في وزارة الثقافة السورية، عبد الله اللايح، على الفكرة نفسها، إذ يشارك ضمن جناح مخصّص يقدم الرسم والقصص والأنشطة للأطفال. 

ويقول إن المطلوب ليس التعامل مع الطفل ذي الإعاقة بوصفه مختلفاً عن الآخرين فـ"الاهتمام الذي يحتاجه ليس اهتماماً مبالغاً فيه، بل اهتمام يشعره أنه من ضمن المجتمع".

نافذة على التنوع السوري

لا تتوقف تجربة المهرجان عند الأنشطة المخصّصة للأطفال، إذ تستضيف أجنحته نماذج من الحرف والتراث الثقافي لمكونات سورية مختلفة. 

وفي جناح المجلس التركماني السوري، يقول مدير مكتب الطفل والمرأة في المجلس، تيسير فاضل، إن المشاركة تهدف إلى تعريف الزوار بـ"المكون التركماني وثقافته وتراثه عبر الرقصات واللغة والتاريخ" 

مضيفاً أن التركمان "مكون أصيل من الشعب السوري"، ويتوزعون في محافظات سورية عدّة.

وتجاور هذه الأجنحة مساحات للحرف التقليدية والخط العربي والتراث الشعبي، بما يتيح للعائلات الانتقال خلال الزيارة بين الترفيه والأنشطة المعرفية، والتعرف إلى جوانب مختلفة من الموروث السوري.
 
بالنسبة إلى بعض الزوار، يتجاوز الحضور إلى المهرجان فكرة قضاء أمسية صيفية. عصام نصري، وهو سوري مقيم في الإمارات ويزور دمشق برفقة أسرته،

 يقول إن جولته في المهرجان جاءت خلال أول زيارة له إلى سورية منذ نحو عام، وإنّه أراد رؤية ما تغيّر في المدينة التي ينحدر منها، 

ويضيف أن زيارته الحالية جعلته أكثر تشجعاً على العودة برفقة أطفاله، موضحاً أنه يحاول، رغم سنوات الاغتراب، إبقاء ارتباطهم بسورية قائماً، 

ويقول: "دائماً نعلمهم أن يحبوا البلد، لأنها بلدنا في النهاية، ومهما ابتعدنا واغتربنا سنعود إليها".

أما محمد زنبركجي، أحد زوار المهرجان، فيرى أن أبرز ما لفت انتباهه هو تنوع الأنشطة في مكان واحد، من المكتبات والمحتوى العلمي والثقافي إلى الفعاليات المخصصة للأطفال، 

ويقول إنه يفكر في تكرار الزيارة، لأنّ "الأطفال لديهم فعاليات حلوة وكبيرة"، معرباً عن أمله في ألّا تقتصر مثل هذه الأنشطة على مرة واحدة سنوياً.

وبينما يقدم مهرجان "صيف سورية" مساحة للترفيه والتعلم والتفاعل، تبقى احتياجات الأطفال السوريين أوسع من حدود الفعاليات الموسمية، 

ويلفت سفير الطفولة الدولي لعام 2028، علي مصطفى المحمد، إلى مشكلة الأطفال المتسولين في الشوارع وعند إشارات المرور، 

داعياً الجهات المعنية إلى التعامل معها، ومشدداً على أن الأطفال الذين عاشوا سنوات الحرب يحتاجون إلى "بيئة آمنة ومساحة للتعلّم".
 
وبين أطفال يدخلون القلعة للرسم أو الاستماع إلى قصة أو مشاهدة عرض مسرحي أو خوض تحدٍّ ذهني، وآخرين يقضون ساعاتهم عند إشارات المرور، 

يظهر جانب من الفجوة في واقع الطفولة السورية، ويصبح الرهان على ألّا تبقى المساحات الآمنة والثقافية والترفيهية مجرد حدث موسمي.

وفي قلعة دمشق، التي تحولت خلال أيام المهرجان من موقع تاريخي يراه كثير من الأطفال من الخارج إلى مساحة يدخلونها ويلعبون ويتعلمون داخلها، تبدو التجربة محاولة لإعادة وصل العائلة بالمكان العام والتاريخ المحلي. 

ويبقى المعيار الأبعد في قدرة مثل هذه المساحات على الاستمرار والوصول إلى أطفال وعائلات أكثر، بعد انتهاء موسم الصيف.

عامر السيد علي