المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش... احتفالاتٌ على حافة الفرح والفوضى
صدحت زينة الداودية في سهرة ختام الدورة الـ55 للمهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش في السادس من يوليو/ تموز الحالي: "يوم يشبه يوم حياتي هادي، حياتي هادي/ حياتي اللي تمنيت تكون ماشي هادي/ مرة فرحان مرة غضبان مرة عادي/ بدموع أنا غنيت وعييت نادي".
معظم جمهور منتصف الليل نسائيّ، يحفظ الأغنية الشهيرة ذات النبر الحزين، والإيقاع الراسخ. كل شابة تحمل هاتفاً، فتصوّر وتشاهد العرض عبر شاشتها.
يبدو أن ما تشاهده عبر ما تصوّره أكثر مما تشاهده مباشرة. هذه فرجة مزدوجة. كلّ شابة تبثّ وتتقاسم على مواقع التواصل أغنية تندب الغضب والحظ السيئ ورتابة الأيام.
هكذا بدأت زينة الداودية سهرة ختام الدورة تلك، في بهو قصر البديع، الذي بناه السلطان المنصور السعدي تخليداً لنصره في معركة الملوك الثلاثة (معركة واد المخازن، 1578) ضد البرتغاليين، الذين تجرأوا وعبروا البحر لاحتلال المغرب،
فتمت إبادتهم، واستولت مملكة إسبانيا على مملكة البرتغال. أي ثمن للمغامرة.
كرّم المهرجان، الذي أقيم بين 2 و6 يوليو/ تموز الحالي، زينة الداودية لأنها تمثل وجهاً عصرياً للأغنية الشعبية التراثية. فنانة ذات لوك عصري، تعزّزه بنهج فني مجدِّد. إنها شيخة، أي خبيرة بالغناء.
تعمل على إخراج العيطة من طابعها الشعبي الفلاحي، و"على إغناء الإيقاعات الشعبية بآلات غربية، كالأورغ والساكسوفون والقيثارة، مع الحرص على خفض الدرجة الصوتية للآلات الجديدة أثناء الغناء، كي لا تغطّي على الكلمات التي ينبغي أن تُسمع وتُفهم" (تصريح لها).
هكذا تتمّ عصرنة الفولكلور في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، المعروفة بفضاءات العروض، كقصر البديع، الذي له حمولة تاريخية مهولة، وصولاً لقصر الباهية مجد مغرب محمد الثالث، الذي وقّع أول معاهدة مع الولايات المتحدة الأميركية منذ 240 سنة.
تنظّم سهرات المهرجان في قصور ملكية عريقة، محاطة بأسوار ترابية سميكة. قصور صارت مؤسّسات ثقافية، توفّر سياقاً تقليدياً، يتصادى فيه ماضي العمارة مع محتوى الأغاني ذات الكلمات الجديدة، والنغمة القديمة، المسمّاة العيطة.
أسّس الملك الراحل محمد الخامس المهرجان الوطني للفنون الشعبية عام 1960، للتعريف بالتراث المغربي، وطنياً وعالمياً. هذا أعرق مهرجان في المملكة، يعمل حسب برنامجه لصون التراث الشفهي واللامادي ونقله.
ذاك التراث الذي لا يحفظه مخطوطٌ ولا نصبٌ، ولا يحيا إلا بالصوت والحركة، وذاكرة حامليه الوافدين من مختلف جهات المملكة، من الأطلس الكبير إلى أطراف الصحراء، لتقديم رقصاتهم بين الحجر الآجُري والسماء المفتوحة.
رقصات بالدفّ والمزمار والطبل، تحكي كيف "تنعكس الحياة ومفهوم العالم في الفولكلور" (يوري سوكولوف، "الفولكلور قضاياه وتاريخه"، ترجمة حلمي شعرواي وعبد الحميد حواس، مكتبة الدراسات الشعبية، 1971، ص 54).
بلغ المهرجان دورته الـ55، ورفع شعار "الفنون الشعبية، كنوز الأمس واليوم". كيف يربط المهرجان الماضي والحاضر والمستقبل؟ بصون التراث الشفهي واللامادي المغربي ونقله إلى الأجيال؟
جواباً على ذلك، وتأكيداً على الرؤية المستقبلية، قال مدير المهرجان الدكتور محمد الكنيدري: "تعبيراً عن هذه الرؤية المستقبلية، وفي آخر مبادرة،
كلّف المهرجان نقباء الفرق الموسيقية باختيار أطفال بين 9 و15 عاماً، لتكوينهم تطبيقياً، فيشاركون في مسابقة فنية تقدّم جوائز مهمة، في الدورة المقبلة. هذا لضمان ديمومة الفن، وانتقاله بين الأجيال".
لم تنظّم العروض هذا العام في ساحة جامع الفنا، التي صنفتها منظمة يونسكو "رائعة من روائع التراث الشفهي واللامادي للإنسانية". السبب؟ عرض مباريات المونديال في شاشات سينمائية عملاقة.
تزامن المهرجان الغنائي مع كأس العالم. ليست مصادفة أن وقف عز الدين أوناحي أمام الصحافة، بعد فوزه بجائزة رجل المباراة، إثر انتصار منتخب المغرب على منتخب كندا ثلاثة ـ صفر.
لمس الميكروفون، وقال بمرح: "هذا ميكروفون الأعراس". تعلّم أوناحي الكرة في الدار البيضاء، مع فريق "رحال" الذي يديره مموّن حفلات مغربي دولي. هكذا يواكب الفولكلور كرة القدم.
الفولكلور فن متجذّر في تربة المغرب، ولا يجري فقط على المنصة. إنه تعبير عن الوجدان والذوق الشعبي. كل الشعوب تفهم في الإيقاع وتعيشه. بحسب سوكولوف، "يتمتع الجنس البشري كله بالعقلية نفسها.
هذا يفسّر وجود المتشابهات في عناصر ثقافية كثيرة لدى شعوب متباعدة" (ص 49). تشاهد الكرة والرقص بالعين، من دون الحاجة إلى الترجمة، لأنهما فنّان غير لغوييّن. هذه حالة عالمية.
ظهر المهاجم النرويجي إيرلينغ هالاند يبحر بالنرويج ويضرب على الطبل بعد هزيمة البرازيل. انتقلت حركة البحارة إلى البرلمان النرويجي. هكذا تُحرك الرياضة والفولكلور الأجساد.
كرّم المهرجان فن العيطة بصيغته النسائية، عبر زينة الداودية، التي كانت تلعب كرة القدم، ووصلت إلى المنتخب النسائي، ثم انتقلت إلى الغناء. هذا بروفايل مركّب، يتقاطع مع المرحلة التي صار فيها الفولكلور يواكب كرة القدم.
ولد فن العيطة في سهول المغرب. إنه غناء شعبي، يتطرّق إلى الكدح وصعوبة الحياة في الحقول، وتقلب الزمن، وبطولة الفروسية (الفانتازيا)، وجمال النساء، مُشبهاً مشيتهن بالحمام وقاماتهن بالخيول. تحدّد نقطة جذر الهوية بـ"منين أنا ومنين إنتا؟
من حوز المغرب" (من أين أنا؟ من أين أنت؟ من قلب المغرب). بمثل هذا، كتبت السوسيولوجيا القروية المغربية شفوياً، قبل أن يؤسسها الباحث الفرنسي المغربي بول باسكون في الجامعة المغربية.
حققت كلمات أغاني العيطة عن العمل في الحقول والكدح شهرة، أكثر من شهرة عناوين كتب السوسيولوجيا القروية.
بمناسبة انتصار المنتخب المغربي في المونديال قبل الإقصاء، تجلس شابات بقمصان المنتخب،
في المقاهي الفخمة بمراكش، يزغردن ويردّدن أغاني الأعراس كلما ظهر اللاعب الوسيم براهيم دياز. تأنّث الجمهور المساند للمنتخب المغربي.
من نتائج ذلك، تغيّر سلوكيات التشجيع الممزوج بالرقص. كلمات عيطة حربية، ورقص جماعي، لوصف تسجيل الأهداف ضد هولندا وكندا. تندُر الفردانية في الرقصات الفولكلورية لصالح الفعل الجماعي.
ينطبق هذا على كرة القدم أيضاً. لا بُدّ من تناسق المجموعة لتحقيق النصر. هذه تقاطعات الكرة والفولكلور.
تترافق أغاني العيطة مع إيقاعات وأجواء عاطفية مشتعلة كثيرة. لا يتناسب هذا مع أجواء فندق خمسة نجوم، الفاخر جداً، في قلب مراكش. لتفسير هذا الاشتعال، قالت زينة: "الشعبي ضجيج منظم/ الشعبي فيه الحيحة". ما الحيحة؟
استعارة من الصيد الجماعي للتعبير عن الرقص الجماعي على حافة الفرح والفوضى. يتّسم الفولكلور بالخيال الجامح، المليء بالمبالغات: "الفولكلور تعبير عن الاهتمامات والأشواق الحقيقية للكتل الشعبية" (ص 55).
لذا، يثير تناولُ الفولكلور حذراً بين الكتاب الجادّين، خاصةً في مجال السينما. سجل سوكولوف أن المثقفين المناضلين يحملون نظرة سلبية للتراث الشعبي، لأنه يصف النقص والعجز، وعقم الحياة وقسوتها (ص 55)، كما تفعل أغنية الداودية.