ريما خشيش في "أول مبارح"... لحظات من الحرب
في أغنيتها "أول مبارح"، التي صدرت قبل أيام، نستمع إلى ريما خشيش تصوّر، بكلمات وألحان ربيع مروّة، المشهد الحالي للبنان بعد الحرب التي شنّها الاحتلال الإٍسرائيلي عليه.
تقدّم خشيش في هذا العمل توليفة بصرية وسمعية تختزل ألم الفقد والتشريد وهدم البيوت وتحوّلها إلى ركام.
تتجاوز الأغنية حدود الرثاء التقليدي للمكان، نحو تفكيك شاعري وموسيقي للوعي الإنساني المثقل بصدمة الدمار، ليتداخل الشخصي بالعام، وتلتحم الذكريات بالخراب الواقعي المعيش.
تتحرّك الكلمات التي كتبها مروّة في مسارات سردية تعتمد على حاسة النظر والشهادة الحية؛ تبدأ خشيش بجملة "أول مبارح"، لتعيدنا إلى تلك اللحظة المفصلية التي سبقت الكارثة في دوامة زمنية مربكة.
يظهر الدمار في صور غير تقليدية ترصد السلوك السوريالي للأشياء المبعثرة؛ فالبنايات تميل وتتمدد لتنام على الطرقات، والأسِرّة تمشي خارج حدود الزمان والمكان، ويتحول الركام إلى أشباح تطارد الذاكرة.
يتجلى هنا ألم اقتلاع العائلات اللبنانية من ديارهم وتهجيرهم من الجنوب، ليتحوّل البيت من مساحة أمان إلى مجرد ذكريات منثورة في الهواء.
ينتقل النص بعد ذلك ليرصد الخصوصية الحميمية للبيوت المهدّمة؛ فالخزائن أصبحت بلا أبواب، والشراشف غُسلت بالغياب القسري بدلاً من الماء، والكتب والدفاتر تتطاير في الهواء، حتى الأقلام تحوّلت إلى حطب يابس.
تعبّر هذه الاستعارات عن ضياع الهوية واحتراق إرث من أُجبروا على الرحيل. ويستمر هذا التفكيك ليصل إلى الأدب والفن والمصير الإنساني؛
فالقصائد تصبح بلا بيوت آمنة تؤويها، والرسائل تتلاشى في الفلاء الواسع، والقصص تتحوّل إلى أقفاص تحبس معنى الوجود، وتتحوّل أسماء الغائبين إلى نمل يحفر في رمال النسيان.
المفارقة الأكثر إيلاماً في الأغنية تتجسّد في العبارة التكرارية التي تعكس صدمة الشريك أو الحبيب الذي أصابه الذهول أمام الفاجعة، أو تشير أكثر إلى الصمت الدولي واللامبالاة تجاه المأساة اللبنانية؛ فتكرّر خشيش أن حبيبها (لعلّه العالم) لم يشهد شيئاً،
ولم يسمع شيئاً، ولم يقل شيئاً في نهاية المطاف. فالطيور تسرح بعيداً، والدموع تبدو مالحة للغاية، والخبر المروّع يظلّ جارحاً للأعماق، بينما يظلّ مغيباً عن السمع والبصر والقول.
على الصعيد الموسيقي المحض، يبرز التوزيع الذي وضعه خوان رودريغيز بأسلوبه البسيط والمؤثر، إذ يعتمد على آلات تعزف بروح حية تجمع بين الجاز والموسيقى الغامرة الشجية.
تضفي آلة الكلارينيت، التي يعزف عليها مارتن أورنستين، مسحة من الشجن الحزين، مدعومة بإيقاع مستقر وعميق من آلة الكونترباس لِتوني أوترواتر، ولمسات دافئة من بيانو خوان رودريغيز نفسه.
هذا الإطار الموسيقي يمنح صوت ريما خشيش مساحة واسعة للتنقل بمرونة وإحساس عالٍ بين الطبقات، لتوصل تلك الرسالة الجارحة بكل هدوء وثقة وعمق، من دون صراخ وخطاب سياسي مباشر.