Logo

فيلم "المحطة" اليمني... مساحة نسائية آمنة وسط الحرب

 اختار مهرجان كان السينمائي 2026 الفيلم الأردني اليمني "المحطة" للمخرجة سارة إسحق، ضمن قائمة الأفلام الروائية الـ11 في الدورة الخامسة والستين لقسم أسبوع النقاد، ليكون العمل العربي الوحيد في هذه القائمة.

يعكس هذا الاختيار حضوراً لافتاً للسينما العربية، ضمن منافسة تضم أعمالاً من فرنسا وإيطاليا والصين والولايات المتحدة. 

يروي "المحطة"، الذي صُوّر في الأردن، قصة امرأة تدير محطة وقود مخصصة للنساء في اليمن، وتحوّلها إلى مساحة آمنة وسط الحرب.

 يقدّم العمل هذا الواقع عبر معالجة تجمع بين خفة الطرح والبعد العاطفي، ما ساهم في انتقاله من مشاركته في البندقية إلى كان، ضمن سياق حضور أردني متواصل في المهرجان خلال السنوات الأخيرة. 

شهدت السينما الأردنية حضوراً متدرجاً في مهرجان كان، من بينها فيلم "إن شاء الله ولد" لأمجد الرشيد عام 2023 في أسبوع النقاد، وفيلم "البحر الأحمر يبكي" لفارس الرجوب في نصف شهر المخرجين، وصولاً إلى "المحطة"، بوصفه الإنتاج الوحيد عربياً ضمن القائمة الروائية. 
 
يأتي هذا الاختيار في سياق اهتمام متزايد بالسينما المستقلة والقصص الإقليمية، إذ يمثّل أسبوع النقاد، الذي أُطلق عام 1962، منصة لاكتشاف المواهب الجديدة.

 يعزز حضور "المحطة" موقع الأردن بيئة إنتاج إقليمية، خاصة في ظل محدودية صناديق الدعم السينمائي داخل اليمن.

حصل العمل على تمويل من صندوق الأردن لدعم الأفلام في إحدى دوراته السابقة، ما يعكس دعم الهيئة الملكية الأردنية للأفلام للمشاريع السينمائية المحلية المتميزة. 

هذا التمويل يأتي ضمن جهود الصندوق لتعزيز الإنتاج الروائي والوثائقي الأردني، إذ يدعم مشاريع متنوعة في مراحل التطوير والإنتاج. يُشكل هذا الدعم خطوة مهمة لصناعة السينما في الأردن، خاصة لأفلام تتناول قصصاً محلية ذات طابع إبداعي.
 
لم يكن وصول الفيلم إلى مهرجان "كان" سهلاً، بل جاء نتيجة عملية تطوير طويلة امتدت من عام 2018 حتى 2026، عبر مراحل كتابة متعددة ومراجعات متواصلة للنص.
 
توضح المنتجة ناديا عليوات: "لم يكن التطوير بالنسبة إليّ مرحلة عابرة، بل أؤمن بأنه حتى لو استغرق وقتاً طويلاً، يبقى الطريق الأفضل للوصول إلى أفلام جيدة. 

عملنا على النص لسنوات، مسودة بعد أخرى، وربما كانت النسخة التي صُوّر بها الفيلم هي الخامسة أو السادسة، لكن بين كل نسخة وأخرى كنا نعيد التفكير ونعمل عليه بعمق".

تضيف: "كان هذا الوقت ضرورياً لفهم الشخصيات وبنائها بدقة، والوصول إلى فيلم قادر على تحقيق مستوى فني عالٍ، سواء كان موجهاً للجمهور أو للمهرجانات، مع الحفاظ على توازن واضح بين الدراما والفكاهة".

هذه العملية المتواصلة سمحت ببناء شخصيات معقدة، مستمدة من تجارب حقيقية في اليمن، مع التركيز على التوازن بين الدراما والفكاهة. عليوات، التي فازت سابقاً بجوائز في ملتقى القاهرة السينمائي، 

أكدت أن مثل هذا التطوير يميز الأفلام المهرجانية الناجحة، إذ يتحول النص من مجرد فكرة إلى عمل فني ناضج، بحسب عليوات.
 
"المحطة" إنتاج مشترك يجمع بين اليمن هوية، والأردن تصويراً وتنفيذاً، إلى جانب شركاء من فرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج وقطر في التمويل. 

توضح عليوات: "لا تهمني الجغرافيا بقدر ما يهمني الصوت الذي يروي القصة. الأصالة المحلية تأتي من المخرجة، من تجربتها ومن التفاصيل التي تعرفها، ودوري يكون أكثر على البناء الدرامي".

تتابع: "نعمل معاً على بنية القصة وعلى الشخصيات، بينما تضيف هي التفاصيل المحلية. وفي الوقت نفسه، أجري بحثاً مستمراً، أقرأ وألتقي بأشخاص، وأحاول فهم هذا العالم حتى لو لم أتمكّن من الحضور فيه جغرافياً، خاصة أنه لم تكن هناك إمكانية للعمل داخل اليمن". 

سبق مشاركة الفيلم في "كان" عرضه ضمن برنامج "فاينال كت" في مهرجان البندقية 2025، فحصد خمس جوائز، بينها جائزة أفضل فيلم في مرحلة ما بعد الإنتاج. تقول عليوات: "كانت جوائز البندقية بمثابة اللمسة الأخيرة.

 جاءت بعد أن أصبح لدينا نسخة شبه نهائية من الفيلم. هذه الجوائز منحتنا دلالة على أن العمل وصل إلى مرحلة ناضجة، وساعدتنا كثيراً على مستوى الترويج والاعتراف الدولي.

 وكان تأثيرها الأكبر في تعزيز الحضور أكثر من التوزيع، لأننا كنا نعمل على التوزيع مسبقاً". وساهم هذا التقدير في فتح الطريق أمام مشاركته في "كان". 
 
يركز الفيلم على تجربة نسائية داخل بيئة الحرب، من خلال محطة وقود تتحول إلى مساحة آمنة. 

توضح عليوات: "لم يكن هدفنا تقديم فيلم قائم على النوع الاجتماعي، بل كان الدافع الحقيقي هو كيف تستطيع النساء، حتى تحت القصف والحرب، أن يخلقن حياة، وأن يحتفظن بروح الدعابة والرغبة في الاستمرار".

تضيف: "هذا هو جوهر الفيلم. لم نكن نتحدث عن الحرب بحد ذاتها، بل عن الناس وقدرتهم على الصمود وخلق حياة في أصعب الظروف".

 تضيف: "حاولنا أن يكون الفيلم قائماً على الشخصيات وعلاقاتها، لأن هذه الطريقة تجعل أي موضوع، حتى لو كان ثقيلاً، أقرب إلى الجمهور. كما أن هناك جانباً من الطرافة في المعالجة يحقق توازناً بين الدراما وخفة الطرح".

واجه فريق العمل تحديات لوجستية معقدة بسبب الحرب، خاصة في ما يتعلق باختيار الممثلين وتنقّلهم. وتشير عليوات: "كان اختيار الممثلين صعباً جداً، لأن اليمنيين موزعون في عدة دول. 

أجرينا اختبارات أداء في الأردن ومصر وأماكن أخرى. كان التحدي الأكبر في التنقل، إذ لم يتمكن بعضهم من مغادرة اليمن.

 إحدى الشخصيات الأساسية كانت عالقة، واضطررنا إلى إخراجها عبر جيبوتي في رحلة معقدة. 

كما علقت ممثلة رئيسية في الأردن بسبب توقف الرحلات الجوية". وقد انعكست هذه الظروف على مسار الإنتاج. 
 
اعتمد تمويل الفيلم على شبكة شراكات دولية، في ظل غياب دعم محلي كافٍ في اليمن. توضح عليوات: "الخطة التمويلية كانت معقدة جداً وتضم عدداً كبيراً من الجهات. 

السبب الرئيسي للإنتاج المشترك كان التمويل، لكن في النهاية ما يقنع أي جهة هو قوة النص. مهما كانت الخبرة أو العلاقات، إذا لم يكن النص قوياً فلن ينجح المشروع".
 
ترى عليوات أن المشاركة في مهرجان "كان" تمثّل تتويجاً مهنياً: "بالتأكيد يعني لي ذلك الكثير. أشعر بوجود تدرّج في مسيرتي، سواء في حجم المشاريع، أو نوع العروض الأولى التي أصل إليها. 

هناك شيء يتطوّر وينمو، وهذا بالنسبة لي مؤشر على أننا نسير في الاتجاه الصحيح".

تضيف: "أي نجاح يحققه فريق أردني في أي مكان يُحسب للسينما الأردنية، وخصوصاً في حالة "المحطة"، لأن العمل صُنع في الأردن، وكان فريق العمل أردنياً في معظمه، كما أُنجز التصوير بالكامل في الأردن. 

هذا يقدّم صورة واضحة عن قدرة الأردن على احتضان وإنتاج قصص تنتمي إلى هويات مختلفة، وهو أمر بالغ الأهمية".

يذكر أن ناديا عليوات هي منتجة أفلام أردنية وكاتبة سيناريو ومحرّرة نصوص، أسست شركة سكرين بروجيكت في عمّان عام 2015، بهدف تطوير وإنتاج نصوص عربية متنوعة. 

عملت أستاذة مساعدة في الجامعة الأميركية في دبي بين عامي 2010 و2017، فدرّست صناعة الأفلام والكتابة القصصية في كلية محمد بن راشد للإعلام. 

من أبرز أعمالها "لما ضحكت الموناليزا" (2012) للمخرج فادي حداد، و"محبس" (2016) للمخرجة صوفي بطرس، و"الباص الأصفر" الذي عُرض على منصة أوربت شوتايم. 

أما سارة إسحق فهي مخرجة يمنية بريطانية، وُلدت في 29 مايو/أيار 1984 في إدنبره، وترعرعت في صنعاء، قبل أن تعود إلى اسكتلندا للدراسة،

 فحصلت على درجة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية والسياسة وعلم الاجتماع من جامعة إدنبره عام 2007، ثم نالت درجة الماجستير في الإخراج السينمائي.

بدأت مسيرتها من خلال الأفلام الوثائقية، ومن أبرز أعمالها فيلم "ليس للكرامة جدران" (2012)، وهو فيلم وثائقي قصير صُوّر في صنعاء، ورُشّح لجوائز أوسكار وبافتا، وعُرض في أكثر من عشرين مهرجاناً، وفاز بأربع جوائز، 

إضافة إلى فيلم "بيت التوت" (2013)، وهو وثائقي طويل 

يتناول تحولات أسرة يمنية قبل الثورة وبعدها، وعُرض للمرة الأولى في مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية ومهرجان دبي السينمائي، وبُثّ على قناة الجزيرة. 

كما أسست مبادرة ادعموا اليمن عام 2011 المعنية بالعدالة والحقوق، وأطلقت أكاديمية قمرة عام 2017 لتدريب صانعي الأفلام، وشاركت في برنامج لاتولييه في مهرجان "كان" عام 2020 لتطوير مشروع فيلم "المحطة".

إسراء الردايدة 
صحافية أردنية