Logo

"العودة"... الكوميديا تتأمّل نهاية الصناعة في هوليوود

 في عام 2005، صدر الموسم الأول من مسلسل "العودة" (The Comeback). كان على الجمهور الانتظار حتى عام 2014 ليصدر الثاني. 

وها هو الموسم الثالث يطلّ الآن، بعد 12 عاماً. هكذا، أمسى لدينا عملٌ وشخصيةٌ يختفيان تماماً ثم يعودان فجأةً ومن دون سابق إنذار.

أصبح "العودة" الذي تشارك ليزا كودرو في ابتكاره وبطولته انعكاساً وتعليقاً على كيفية تغيّر هوليوود ليس فقط خلال 20 عاماً، بل خلال أكثر من 30 عاماً، عندما اشتهرت كودرو في مسلسلٍ صغيرٍ وغير معروف اسمه "فريندز".

للوهلة الأولى، يبدو "العودة" وكأنه تعليق ذاتي على حياة كودرو ومسيرتها المهنية، بعد سنوات من انتهاء مسلسل "فريندز" الذي حقق لها الشهرة. 

ويمكن اعتبار شخصية فاليري تشيريش بمثابة انعكاس لشخصية الممثلة نفسها: فنّانة اشتهرت في مسلسل كوميدي في التسعينيات، وتكافح للعثور على عملٍ بعد انتهائه.
 
في عام 2005، عندما بدأ عرض "العودة"، ركّز العمل على محاولات فاليري للعودة إلى الأضواء من خلال المشاركة في ما بدا آنذاك شرّاً لا بدّ منه؛ أحد برامج تلفزيون الواقع. إلى جانب هذا التعليق الموضوعي على صناعة التلفزيون، 

أضاف "العودة" تعليقاً فنّياً، إذ أظهر طاقم العمل وهم يُصوَّرون باستمرار بكاميرات "وثائقية".
 
عُرض الموسم الثاني لأول مرة في 2014 (بعد إلغاء المسلسل ثم عودته بناءً على طلب الجمهور) وركّز على محاولات فاليري لإنتاج فيلمها/برنامجها الواقعي الخاص، متتبعاً مسيرتها المهنية المضطربة في مسلسلٍ درامي حقق لها نجاحاً مهنياً، 

ولكنه جلب لها أيضاً صعوبات شخصية كبيرة خلال العصر الذهبي لبرامج التلفزيون المرموقة. مرّت 12 سنة أخرى منذ ذلك الحين، واستمرّت صناعة الترفيه في التطوّر.

يبدأ الموسم الثالث في عام 2023، ويُظهر فاليري وسط إضراب الكُتّاب وفترة ما بعد جائحة كوفيد-19، وهي تحاول الحصول على دور في مسرحية موسيقية ("شيكاغو" تحديداً)،

 لكنها تدرك افتقارها إلى كلٍّ من السنّ والموهبة للمنافسة مع مغنّيات وراقصات أصغر سنّاً وأكثر رشاقة.
 
بحلول عام 2026، لا تزال عودتها المهنية بعيدة المنال. فاليري في الستينيات من عمرها، منشغلة بإنتاج بودكاست لا يبدو أنها توليه اهتماماً كبيراً. 

ليست في ضائقة مالية (زوجها مارك كان ناجحاً في مجال الأعمال قبل أن يصبح نجماً في تلفزيون الواقع)، لكنها بحاجة إلى وظيفة للحفاظ على برنامجها الواقعي المتواضع مع فريقها الصغير. 

تتاح لها فرصة، لكنها غير عادية. يعرض عليها مدير تنفيذي في استوديو كبير (أندرو سكوت) دور البطولة في مسلسل كوميدي بعنوان "كيف حالك؟".

 يبدو العرض والدور رائعين، لكن هناك شرطاً: سيُكتب المسلسل كاملاً بواسطة الذكاء الاصطناعي، من دون أي كاتب بشري. ليس هذا فحسب، بل مُنعت من إخبار بقية فريق العمل. وفاليري توافق.

سيكون هذا محور "العودة"، فستواجه فاليري تحديات العمل مع تقنية قادرة على إعادة كتابة مشهد كامل في ثوانٍ، ولكنها قد ترتكب أيضاً أخطاءً فادحة أو تتوقف عن العمل تماماً. 

في ظلّ غياب شبه تام للتدخّل البشري (فالمكلّفون بـ"الإشراف" على الذكاء الاصطناعي لا يستطيعون تحمّل هذا الإذلال طويلاً)، يصبح كل شيء مُعتمداً على الآلات. في الوقت نفسه،

 سيتناول المسلسل علاقة فاليري بشريكها مارك، والفريق الصغير الذي يرافقها في حياتها المهنية وفي فيلمها الوثائقي (دان بوكاتينسكي، لورا سيلفرمان، إيلا ستيلر)، وغياب صديقها المقرّب ومصفّف شعرها ميكي (الممثل روبرت مايكل موريس، الراحل في 2017)، وزملائها الجدد في التمثيل، والوسط الفني عموماً.
 
إذا بدأنا هذه القصّة من البداية، عندما سطع نجم كودرو قبل 32 عاماً في مسلسل "فريندز"، فسنجد أن "العودة" يمثّل نظرة ساخرة إلى تاريخ التلفزيون الأميركي.

 سيقول أحدهم، في لحظة درامية تتضح فيها تناقضات العمل مع هذه التقنية: "كنا نظنّ أن برامج تلفزيون الواقع والبثّ المباشر سيقضيان علينا، لكننا نجونا؛ لا أعرف إن كنّا نستطيع التعامل مع الذكاء الاصطناعي!".

هذا ما حدث لصناعة باتت اليوم لا تشبه كثيراً تلك التي عرفناها قبل ثلاثة عقود، حين كان الكابل والإنترنت جديدين، ولم تكن هناك شبكات تواصل اجتماعي أو ما شابهها، وكان البث التلفزيوني هو البداية والنهاية لكلّ شيء تقريباً.

في الآونة الأخيرة، تجلّى هذا التوجّه الساخر نحو صناعة هوليوود في مسلسلات مثل "هاكس" و"ذا ستوديو" (من ابتكار سيث روغان)، الذي استلهم بلا شكّ من تجربته في الموسم الثاني من "العودة".

تتناول كودرو وفريقها هنا، بروح دعابة وخفة ظلّ، جوهر الموضوع مباشرة، محاولين تخيّل ما قد تصبح عليه هوليوود إذا ما حلّت الآلات محلّ البشر في كلّ جانب من جوانب الحياة تقريباً. 

يُصرّح المسلسل بذلك: أولاً سيختفي كتّاب السيناريو، ثم الممثلون، ولاحقاً المديرون التنفيذيون. من سينجو من كلّ هذه التغييرات؟

وبينما تتسم معظم الحلقات بخفّة ظلّ وفكاهة، وتتناول مشاكل فاليري اليومية في مسلسلها الجديد، ولا ترتبط دائماً بالذكاء الاصطناعي، إلا أن نبرة أعمق وأكثر درامية، وقبل كلّ شيء تأمّلية، ستظهر تدريجياً.

بمشاركة عشرات الممثلين الشهيرين ومواقف كوميدية تُعالجها الممثلة الكوميدية الاستثنائية ليزا كودرو ببراعة، يثير "العودة" تساؤلات غير مباشرة حول مستقبل صناعة السينما، ليس فقط في ما يتعلّق بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في ظلّ تقلّصها وتزايد اندماج الشركات.

 المسلسل من إنتاج شركة وارنر بروذرز، وصُوّر في استوديوهاتها، وواضح أنه لن يتطرّق إلى بيع الشركة، لكن مشاهدة تلك المواقع الضخمة المليئة بالقصص ستثير المشاعر لا محالة.