Logo

20 عاماً على مسلسل "الانتظار": ماذا بقي من الحارة الشعبية الدمشقية؟

 في شهر رمضان من عام 2006، عُرض مسلسل سوريّ ما زال يُعتبر، في نظر نقّاد ومتابعين كثيرين، المسلسل الأفضل في تاريخ الدراما السورية. "الانتظار" هو اسم المسلسل، 

وقد شهد استمراراً للتعاون المثمر بين الكاتب الراحل حسن سامي يوسف (1945 ـ 2024) والسيناريست نجيب نصير، 

كما أعلن صراحةً عن ولادة مخرجٍ كبير هو الليث حجّو الذي انتقل في السنة السابقة فقط من إخراج المسلسلات الكوميدية (ثلاثة أجزاء من "بقعة ضوء"، 

بالإضافة إلى مسلسل "عالمكشوف" المكوّن من لوحات منفصلة أيضاً) إلى إخراج المسلسلات الاجتماعية، وكان أولها "خلف القضبان" (2005).

تكثر في مسلسل "الانتظار" الشخصيات المتعددة في خلفياتها الاجتماعية والثقافية، وفي أماكن قدومها إلى هذا الحي العشوائي الواقع على أطراف دمشق. تتعايش هذه الشخصيات، رغم المشاكل التي تنشأ بينها، لتعكس بذلك، رمزياً، تنوّع الشعب السوري. 

يتجاور في الزقاق الضيق ذي البيوت المتزاحمة على جانبيه، المتكئة بعضها إلى بعض بتعب، الحرامي عبّود (تيم حسن) والشرطي فاضل (قاسم ملحو)، بل إنهما يتشاركان في لعب الورق خلال السهرات. 

كما أن العراكات بين الجيران شبه الأميين تقطع عمل الصحافي وائل (بسام كوسا)، بعد أن تقتحم غرفته عبر الشبّاك المطلّ على الزقاق، وهي تندلع تارةً بين الشقيقين دائمَي العراك، صابر وبسّام (أيمن رضا وأحمد الأحمد)، إذ يرغب أحدهما بالاستقرار والبقاء في الحارة، 

بينما يتطلع الثاني إلى السفر والرحيل إلى الخارج من أجل العمل؛ وتحدث تارةً أخرى بين أحد الجيران وغليص (أندريه سكاف)، بسبب شربه "دواء السعلة" كمخدّر، أمام أعين السكان، بمن فيهم الأطفال.

وعلى الرغم من كثرة هذه الشخصيات وتناقضاتها وصراعاتها، ليس أيٌّ منها البطل؛ حتى عبّود ابن الميتم، الذي حاول إنقاذ أهل حارته بعد أن "تبنّاهم" وجعلهم أهله، لم ينجح في ذلك، وقُتل في الحلقة الأخيرة بطعنة من "الشاويش" (نضال سيجري).

 ذهبت بطولة المسلسل، عن استحقاق ومن دون منافس، إلى المكان الذي يوسّع السيناريست نجيب نصير مفهومه، 

  ليشمل "الحالة التي تتألف من البيئة، المكوّنة بدورها من مكان ومعمار وسكّان وعادات وتقاليد مستجدّة". 

بهذا المعنى، الحارة بكل تفاصيلها المتنوّعة هي البطل؛ فهي تصوغ شخصيات سكانها، وترسم مسارات حياتهم، وتودي بهم إلى نهاياتهم السلبية، سواء أكانت فشل قصص الحب ونهاية الزواج، أو انتهاء مغامرة العيش خارج الحارة، كما حدث مع مروى (سلافة معمار)، التي هربت من منظر الجدران الخشنة العارية التي تخدش العين، كما قالت للأستاذ وائل في أحد المشاهد، وصولاً إلى الموت.

هذا في المسلسل. وفي الواقع، يمكن القول إن الحارة أعلنت عن نفسها بطلة أيضاً في ربيع عام 2011، إذ خرجت من حرمانها وقهرها، وانتفضت في وجه الإهمال والإقصاء الحكوميين، وانفجرت بالتظاهرات المناهضة للنظام القمعي، الذي أهمل، من ضمن ما أهمله، الزراعة، 

وترك أهل الريف المهاجرين إلى المدينة على هامش المدينة والحياة، يزيدون أعداد القاطنين في الأحياء العشوائية، مثل حارة المسلسل، لا يكادون يسدّون رمقهم، ومن دون خدمات تقريباً.

 لاحقاً، ومع تحوّل الاحتجاجات المطلبية إلى حركات مسلحة بعد قمعها بالقوة، تحوّلت الحارة وأهلها إلى ضحايا. الكثير من مثل هذه الحارات في محيط دمشق وفي ريفها، كما في بقية المدن السورية، سُوّيت بالأرض، وما زالت أنقاضها مهملة حتى اليوم، وانتشر سكانها في مختلف بقاع العالم.
 
يُرجع نجيب نصير، أسباب نجاح مسلسل "الانتظار" واستمرار الإقبال على مشاهدته حتى الآن إلى "الجهد الكبير الذي بُذل في إنجازه، بالاشتراك أولاً مع حسن سامي يوسف، الشريك في الكتابة، إلى جانب الشريك في الإخراج، الليث حجّو" الذي يصفه بأنه "صعب المراس في العمل، وشديد الحرص على ضبط اللغة البصرية لأي مسلسل يُخرجه".

 ويضيف قائلاً عن المخرج، الذي يتعاون معه هذه الأيام في إنجاز مسلسل "السوريون الأعداء"، إنه "عين غير تقليدية وغير متداولة في الدراما البصرية، إذ يخترع دائماً أجواءه ولقطاته بناءً على دراسة الحالة، والشخصيات، وغلاف الموضوع".
 
يشير نصير كذلك إلى عامل مهم آخر ساهم في نجاح مسلسل "الانتظار" وهو جهده الشخصي في دراسة المكان؛ فقد قام بدراسة تاريخية واجتماعية، وقرأ عن نشوء الحارات العشوائية في المراجع والكتب،

 وهو أمر يرتبط "بالتهجير التالي للنكبة في عام 1948، كحال مخيم اليرموك، أو بهزيمة حزيران 1967، كحال حيي الدويلعة والطبالة في محيط دمشق، التي تحولت فيها الخيم إلى بيوت تنك، ثم إلى بيوت من البلوك". 

ويتابع: "فرّغتُ نفسي مدة أربعة أشهر أو خمسة، كنت أذهب خلالها يومياً إلى صديق يقطن في إحدى الحارات العشوائية، حيث نمت عنده وعشت بين أهل تلك الحارات". 

ويلفت إلى أن التفلت الاجتماعي الذي صوّره مسلسل "الانتظار" ليس إلا ما يمكن تمريره في عمل تلفزيوني، إذ إن "حقيقة تلك الأماكن شديدة الفحش والفضائحية، بالمعنى الاجتماعي، فالحالة الاجتماعية برمتها غير سوية وغير متجانسة، وتعاني عطباً كبيراً".

وعن غياب الشخصية الدينية المتشددة والمسيّسة عن حشد الشخصيات التي يزخر بها المسلسل، وهي شخصية بات حضورها ملحوظاً في المشهد السوري في السنوات الأخيرة، وما إذا كان ذلك بسبب بعدها عن نمط التدين الدمشقي التقليدي، 

يؤكد نصير ذلك، مع الإشارة إلى أن المتدينين شديدي الالتزام كانوا يدارون التزامهم هذا في عهد نظام الأسد، خوفاً من اتهامهم بالإرهاب. 

ويقول إن "التدين في دمشق له سماته الخاصة، فمن يصلي يقوم بذلك بلا ضجيج. والتدين الشديد، التبشيري، حديث على المجتمع السوري"، فأغلبية المؤمنين ينسحبون من مجالسهم أو أعمالهم بصمت للصلاة،

 كما فعل أبو أسعد (شخصية أداها الراحل عمر حجّو) في أحد المشاهد، والذي كان رجلاً تقليدياً، شديداً في رقابته على بناته الأربع غير المتزوجات.

أما ماذا بقي من "الحارة" في رأيه، بالمعنى الأوسع الذي يعني المكان السوري ككل، ويعني كذلك ساكنيه، بعد كل ما مر عليه وعليهم خلال سنوات الحرب،

 فيقول السيناريست نجيب نصير: "بقي الكثير. بقي أثرها السلبي على الناس وحيواتهم ومستقبلهم وأدائهم الاجتماعي العام في كل أوقات حياتهم"،

 ويتابع أن "العشوائية حالة شاملة، لا تقتصر على العمران وحده، بل هي حالة مستمرة في التفكير السوري في كل المجالات، تشمل التخطيط الحكومي في التعامل مع إنشاء مثل هذه الحارات، ومع البشر الذين يقطنونها؛ فالحارة العشوائية استمرت بالنمو، وفي مكان البيت أصبحت هناك بناية".

ساري موسى
كاتب من سورية