Logo

طفرة الذكاء الاصطناعي... عكّاز يسند الاقتصاد العالمي أم رهان مموَّل بالديون؟

 220 مليار دولار. هذا ما تعتزم شركة واحدة، هي "أمازون" (Amazon) الأميركية، إنفاقه هذا العام على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية، وهو رقم يفوق الناتج المحلي لعشرات الدول. 

ولم تعد هذه الأرقام شأناً يخص وول ستريت وحدها، فأموال الذكاء الاصطناعي صارت من الدعامات القليلة التي أبقت الاقتصاد العالمي صامداً، في عام تلقّى فيه صدمة الحرب على إيران وقفزة أسعار الطاقة. 

غير أنّ سؤالاً واحداً يؤرّق المؤسسات الدولية اليوم: ماذا لو لم تُثمر هذه الأموال كما يُنتظر؟
 
اقتصاد يستند إلى عكّاز واحد

في تقريرها المرحلي الصادر في سبتمبر/ أيلول، رفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) توقعها لنمو الاقتصاد العالمي في 2026 إلى 2.9%، بعد أن كان 2.8% في يونيو/ حزيران، وذلك بعد نمو بلغ 3.4% العام الماضي. 

والسبب، بحسب المنظمة، أنّ النمو المتسارع للاستثمار والإنتاج المرتبطين بالذكاء الاصطناعي عوّض جزئياً الآثار الاقتصادية للصراع. 

ويتفق صندوق النقد الدولي (International Monetary Fund) مع هذه القراءة. فهو يتوقع نمواً عالمياً بنسبة 3% هذا العام، 

ويرى أن العالم ينقسم إلى معسكرين. الحرب تضغط على مستوردي الطاقة والاقتصادات الهشة، بينما يرفع الطلب على الذكاء الاصطناعي الدول المندمجة في سلسلة القيمة التكنولوجية.

وتبدو الصورة أوضح في الولايات المتحدة، فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتوقع نمو الاقتصاد الأميركي 2.2% في 2026، مع استثمار قوي في الذكاء الاصطناعي يعوّض جزئياً تباطؤ إنفاق المستهلكين ونمو الدخل الحقيقي. 

بعبارة أبسط: المستهلك الأميركي يشدّ الحزام، وشركات التكنولوجيا تنفق نيابة عنه.
 
من وادي السيليكون إلى مصانع آسيا

لا تبقى هذه الأموال داخل وادي السيليكون في الولايات المتحدة، فكل مركز بيانات يُبنى في أوهايو أو تكساس يحتاج رقائق من تايوان وذاكرة من كوريا الجنوبية ومعدات من أوروبا. 

وتكشف ذلك أحدث قراءات مؤشر مديري المشتريات (PMI)، وهو مسح شهري يقيس نشاط المصانع، إذ تعني القراءة فوق 50 نقطة توسعاً وما دونها انكماشاً. 

في كوريا الجنوبية، قادت قطاعات أشباه الموصلات والسيارات التوسع، ونمت طلبيات التصدير الجديدة بأسرع وتيرة منذ مارس/ آذار 2011. وفي تايوان، قفز المؤشر إلى 56.7 نقطة في سبتمبر/ أيلول، مقارنة بـ54.7 في أغسطس/ آب. 

وحتى أوروبا، التي ظلت سنوات خارج سباق الرقائق، سجّل مؤشرها الصناعي 52.9 نقطة، وهو الأعلى في 52 شهراً. لكن للصورة وجهاً آخر. 

فالمؤشر العالمي للصناعة بلغ أعلى مستوياته منذ فبراير/ شباط 2022، غير أن نمو الأسعار تسارع أيضاً؛ أي إنّ الطفرة تنعش المصانع، لكنها قد تغذّي التضخم في الوقت نفسه.
 
ديون تتراكم في الظل

من أين تأتي كل هذه الأموال؟

 لم تعد الأرباح وحدها تكفي. وتشير حسابات "ستاندرد أند بورز غلوبال" (S&P Global) إلى أنّ شركات الحوسبة السحابية العملاقة والجهات المرتبطة بها مثل "إنفيديا" الأميركية أصدرت سندات بقيمة 225 مليار دولار حتى منتصف 2026، وهي في طريقها إلى 400 مليار دولار بنهاية العام. 

والأخطر هو ما لا يظهر في الميزانيات. فقد قدّرت وكالة موديز (Moody's) الصفقات خارج الميزانية بنحو 1.2 تريليون دولار، منها أكثر من 820 مليار دولار مرتبطة بمراكز بيانات لا تزال قيد الإنشاء.

 وتشبه هذه الصفقات أن تستأجر بيتاً بعقد طويل بدل أن تشتريه بقرض، فيبقى الالتزام قائماً، لكنه لا يظهر في دفاترك كدَين.

و"أمازون" نفسها مثال على ذلك. فبحسب صحيفة فاينانشال تايمز (Financial Times) البريطانية، عرضت الشركة على مستثمرين صفقة تنقل بموجبها رقائق من "إنفيديا" بنحو 8 مليارات دولار إلى كيان منفصل ثم تستأجرها منه، 

كما أصبحت أكبر مُصدر للسندات بين الشركات العملاقة هذا العام، بإصدارات تقارب 100 مليار دولار. 

وفي صفقة أخرى لافتة، تعهدت "إنفيديا" بتوفير ما يصل إلى 105 مليارات دولار لتمويل مركز بيانات لشركة "أوبن إيه آي" (OpenAI) الأميركية في أوهايو، في خطوة عمّقت المخاوف من "التمويل الدائري"، حيث تموّل الشركة البائعة زبائنها ليشتروا منتجاتها. 

إنتاجية الذكاء الاصطناعي... وعد مؤجَّل

حتى الآن، يأتي معظم أثر الذكاء الاصطناعي على النمو من الإنفاق على بنائه، لا من استخدامه. أما الرهان الحقيقي فهو الإنتاجية، أي أن ينتج العامل أكثر في الساعة نفسها. وتقدّم ورقة بحثية حديثة لصندوق النقد مؤشراً أولياً. 

فقد وجدت أن براءات اختراع الذكاء الاصطناعي في دول منظمة التعاون الاقتصادي، التي تضاعفت ثلاث مرات بين 2000 و2017، رفعت إنتاج العامل بنسبة 0.8% إلى 1.2%، وأن التقنية قد ترفع الإنتاجية الكلية بما يصل إلى 3.8% على المدى الطويل. 

لكن الورقة تحذّر من أنّ المكاسب لن تتوزع بالتساوي، إذ حققت الدول التي ترتفع فيها نسبة العاملين في الوظائف المهنية والإدارية مكاسب أكبر. 
 
عالم بسرعتَين

هنا يكمن السؤال الأكبر: من سيجني الثمار؟ يرى البنك الدولي (World Bank)، في تقرير التنمية العالمية 2026، أن الذكاء الاصطناعي قد يتيح للدول النامية إنجازاً ما يستغرق قرناً في عقد واحد، 

بشرط أن تتحرك الحكومات سريعاً لسدّ فجوات الكهرباء والاتصالات والمهارات وجودة المؤسسات. 

ويأتي هذا الوعد في لحظة صعبة، إذ تمر الاقتصادات النامية بأضعف أداء لمتوسط النمو منذ ثلاثة عقود. 

والمفارقة أنّ الخطر على الوظائف أكبر في الدول الغنية. فبحسب البنك، 4.5% من الوظائف في الاقتصادات النامية معرّضة للخطر، مقابل 14.2% في الدول مرتفعة الدخل، 

بينما قد ترتفع إنتاجية 16.2% من وظائف الدول النامية بفضل التقنية.

خطر كامن

لا تخفي المؤسسات الدولية قلقها. فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحذّر من أنّ آفاق النمو قد تضعف إذا ارتفعت عوائد السندات السيادية طويلة الأجل أكثر، أو جاءت عوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي دون التوقعات، بما قد يؤدي إلى إعادة تسعير الأصول المالية. 

وتقدّر المنظمة أنه إذا تحققت المخاطر مجتمعة، فقد تقتطع 0.7 نقطة مئوية من النمو العالمي العام المقبل، وتضيف 1.1 نقطة إلى التضخم العالمي. 

هكذا تبدو المعادلة اليوم: اقتصاد عالمي يستند إلى رهان واحد ضخم، تموّله ديون متصاعدة، وتنتظر ثماره سنوات. والسؤال لم يعد: من سيبني أذكى نموذج؟ بل: من سيدفع الفاتورة إذا تأخر العائد؟

خالد بركات 
صحافي ومنتج تلفزيوني