الصين... صراع بين التربية التقليدية والذكاء الاصطناعي
تواجه مفاهيم التربية التقليدية في الصين تحديات استثنائية مع انتشار روبوتات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الاستشارات والتعليم المبكر، إذ يخشى البعض أن يؤدّي ذلك إلى تقليص مسؤوليات الآباء والأمهات، وتفاقم الخلافات مع أبنائهم.
مع التطور الرقمي السريع في الصين، بدأ الذكاء الاصطناعي بالاندماج عميقاً في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم، إذ تتوفر اليوم مجموعة واسعة من برامج التربية الذكية، تشمل تطبيقات أناشيد الأطفال، وتطبيقات التعليم المبكر، وتطبيقات الإثراء المعرفي، وتطبيقات الاستشارات، وغيرها، وسط مشاعر متضاربة ومخاوف من تراجع أساليب التربية التقليدية.
ويصف مراقبون صينيون الصراع بين أساليب التربية التقليدية وتدخّل الذكاء الاصطناعي بأنّه مبارزة بين العِلم التجريبي والترابط العاطفي،
ويُقرّون بأنّه مع انتشار روبوتات الذكاء الاصطناعي الخاصة بتربية الأطفال، والمراقبة الذكية، ورفقاء القراءة، وخوارزميات التنبؤ بالسلوك، تُواجه مفاهيم تربية الأطفال التقليدية تحديات استثنائية.
وأثار هذا الصراع سجالاً وانقساماً بين فريقين؛ أحدهما يرى أنّ تدخل الذكاء الاصطناعي في أساليب التربية هو استجابة طبيعية ومواكبة لتطور الأجيال،
في حين تخشى الآراء التقليدية أن يؤدّي التدخل المفرط للذكاء الاصطناعي إلى تقليص مسؤوليات الوالدين وتفاقم الخلافات مع أبنائهما، باعتبار أنّ تفاعل الأطفال مع ذكاءٍ اصطناعي يفتقر إلى الدفء العاطفي الحقيقي في سنّ مبكرة وبشكلٍ مفرط، قد يؤثر سلباً على تنمية مهاراتهم الاجتماعية وسلوكهم في الحياة الواقعية.
لي يوان، أم عاملة لديها طفل عمره سبعة سنوات، وبسبب انشغالها في وظيفتها، لجأت إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي لمساعدتها في حلّ واجبات ابنها الدراسية.
تقول إنّ هذه التطبيقات الحديثة هي الحلّ الأمثل لمعالجة مشكلة ضيق الوقت، كما أنّها توفّر تكاليف الاستعانة بمُدرّس خصوصي، أو إرسال ابنها إلى مركزٍ تخصّصي كما يفعل بعض الآباء الذين لا يُسعفهم وقتهم في متابعة الواجبات الدراسية اليومية لأبنائهم.
وتوضح يوان أنّ بعض التطبيقات التي تستخدمها تعمل بكفاءة عالية. على سبيل المثال، يمكن لبرامج سرد القصص التي تعمل بالذكاء الاصطناعي وروبوتات التعلم المصاحبة الإجابة على كلّ الأسئلة وتبسيطها إلى مستوى الطالب،
ويمكنها حتى تقليد أصوات الآباء على مدار 24 ساعة في اليوم، كما تميل الخوارزميات إلى تخطيط المسار الأمثل للأطفال، ومن بين ذلك التوصية بدقة بوسائل تعليمية تتناسب مع مستواهم المعرفي الحالي، وتخطيط جدول التعلم الأكثر كفاءة.
وتضيف: "تُعرف أساليب التربية الصينية بطابعها السلطوي، وسيطرتها، وتركيزها على الإنجاز، وخصوصاً التحصيل الدراسي، وتؤدّي هذه الأساليب إلى كبح الإبداع والاستقلالية والتفكير النقدي، فضلاً عن أنّها قد تتسبّب في ارتكاب الأخطاء أو شعور الطلاب بالملل أو الانخراط في استكشافات عبثية بلا هدف، وهذا مضيعة للوقت".
بدوره، يقول أستاذ الدراسات الاجتماعية في جامعة نانجينغ، ليو تشي "في عصرنا الحالي الذي يشهد تطورات متسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، لم يعد ما يحدّد نجاح الطفل مجرّد حفظ المعلومات ومهارات اجتياز الاختبارات. فمع التطور السريع لتقنية الذكاء الاصطناعي،
يمكن لمثل هذه التطبيقات إنجاز معظم مهام التعلم الأساسية، مثل استرجاع المعلومات واكتساب المهارات والبحث عن المعلومات بكفاءة عالية"،
ويضيف: "ليس مطلوباً أن تحل أساليب التربية المدعومة بالذكاء الاصطناعي محلّ أساليب التربية التقليدية،
فالتحدي الأساسي يكمن في وضع الحدود الصحيحة. من الناحية المثالية، ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي أداةً لتخفيف أعباء التربية، وليس أداةً للتحكم في المشاعر،
ومع التغيرات الجذرية في عصرنا، لم تعد أساليب التربية التقليدية، مثل التربية الصارمة والسيطرة المفرطة، مناسبة للتطور المستقبلي".
ويتابع تشي: "تتجاهل الإدارة الموحّدة للذكاء الاصطناعي الاختلافات الفردية للأطفال وحاجاتهم النفسية، وتُحوّل الأبوّة والأمومة بسهولة إلى خط تجميع،
في حين أنّ الآباء الذين يؤمنون بشدّة بالذكاء الاصطناعي قد يعتمدون بصورة مفرطة على البيانات، ويصبحون قلقين جدّاً عندما تكون المؤشرات غير طبيعية، بل ويتجاهلون حكمهم البديهي"،
ويُذكّر بأنّ أساليب التربية التقليدية تعزّز التواصل البصري والجسدي بين الآباء والأطفال، وكذلك التفاعل وجهاً لوجه، وهي الركائز الأساسية لبناء علاقة ارتباط آمنة. لذلك قد يتعارض التعليم التغذوي المفرط مع الفلسفة التقليدية التي تشدّد على النمو الطبيعي.
ويشير الأكاديمي الصيني إلى أنّ "الأطفال الذين يُحاطون بدقة بالخوارزميات قد يفقدون مساحة مواجهة المجهول، والتعامل مع الفوضى، والاستكشاف باستقلالية. رغم أنّ الذكاء الاصطناعي يمثل ذروة تطور قدراتنا الجسدية، وسيحلّ محلّنا في قدراتنا الثانوية،
إلا أنّه لا يستطيع أن يحلّ محلّ سماتنا الأساسية، فالحضور الجسدي، والتواصل المباشر، والأداء الملموس للمهام الأساسية المُلقاة على عاتق الآباء والأمهات، والتي تتطلّب وجود شخصٍ في مكانٍ محدّد وفي وقتٍ محدّد، وكلّها أمور لا يمكن استبدالها".
ويؤكّد تشي أنّ اصطحاب طفلٍ في السابعة من عمره بين مراكز الدروس الخصوصية قد لا يكون أفضل استثمار لجهود الآباء في عصر الذكاء الاصطناعي، فمن المهم وجود شخص قادر على التحدث والتواصل والإبداع واتّخاذ القرارات.
وبالتالي ينبغي أن تهدف التربية إلى تنمية القدرات الأساسية، وتنشئة أطفال يتمتعون باللياقة البدنية والمهارات الاجتماعية والتفكير الإبداعي والنقدي، مع ترك الذكاء الاصطناعي يُنجز المهام التي تعتمد على قدراتٍ ثانوية.
علي أبو مريحيل
كاتب فلسطيني