Logo

"تقطير النماذج": كيف تتعلم برامج الذكاء الاصطناعي من بعضها؟

 لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين تدور حول الرقائق الإلكترونية وحدها، بل انتقلت إلى تقنية "تقطير النماذج" (Model Distillation) التي تسمح بنقل بعض قدرات النماذج المتقدمة إلى أخرى أصغر وأقل كلفة.

 ظلت هذه التقنية تُعد لسنوات أداة اعتيادية في أبحاث الذكاء الاصطناعي، لكنها أصبحت اليوم محور جدل متزايد بشأن ما إذا كان يمكن نقل القدرات المتقدمة للنماذج من دون موافقة الشركات التي طورتها.

وتتهم واشنطن، إلى جانب كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية، منافسين صينيين باستخدام "تقطير النماذج" لاستخلاص قدرات نماذج مغلقة المصدر، في ما يُعد جبهة جديدة في المنافسة المحتدمة على التفوق التكنولوجي.

ما هو "تقطير النماذج"؟

يتطلب تدريب أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي المعروفة باسم النماذج الرائدة (Frontier Models) استثمارات هائلة في البيانات والقدرة الحاسوبية والتمويل.

 وتوفر تقنية "تقطير النماذج" وسيلة لبناء أنظمة أصغر، عبر استخدام نموذج كبير يُعرف بـ"المعلم" لتدريب نموذج أصغر يُعرف بـ"الطالب". 

ويُنتج النموذج "المعلم" أمثلة، مثل الإجابات أو الشيفرات البرمجية، تُستخدم لاحقاً موادَّ تدريبية للنموذج الأصغر. ولا يُعد النموذج الجديد نسخة مطابقة للنموذج الأصلي، إذ لا يرث أوزانه أو بنيته أو كامل قدراته، بل يتعلم سلوكيات محددة تمكّنه من أداء مهام معينة بكفاءة أعلى.

أهمية هذه التقنية في سباق الذكاء الاصطناعي

تكمن جاذبية "تقطير النماذج" في أنها تجعل تطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي أقل كلفة وأسهل انتشاراً.

 فبينما تحتاج النماذج الرائدة إلى مراكز بيانات ضخمة ورقائق إلكترونية مرتفعة الثمن، تستطيع النماذج المقطّرة العمل على أجهزة أقل قوة، كما يمكن تصميمها لتنفيذ مهام محددة. 

ولهذا السبب، تزداد جاذبية هذه النماذج لدى الشركات والحكومات التي تسعى إلى توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأجهزة والمصانع والمركبات والشبكات الخاصة.

وفي السياق، أثارت النماذج الحديثة اهتماماً متزايداً بنقل طريقة التفكير التي تقود إلى الإجابة، وليس الإجابة النهائية فقط. وتتيح ما يُعرف بـ"مسارات الاستدلال" للنموذج الأصغر تعلم كيفية التعامل مع المشكلات المعقدة، بدلاً من حفظ النتائج النهائية فحسب. 

ومع تزايد قيمة "مسارات الاستدلال"، أصبحت مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر حساسية، لأنها قد تكشف بعض الأساليب التي تستخدمها النماذج المتقدمة لمعالجة المشكلات المعقدة.
 
من يستخدم "تقطير النماذج"؟

هذه التقنية لا تعد ممارسة غير مشروعة بطبيعتها، بل هي من أكثر أساليب تدريب الذكاء الاصطناعي استخداماً. 

إذ اعتمد عليها باحثون وشركات أميركية منذ سنوات، من بينها مشروع ألباكا (Alpaca) في جامعة ستانفورد ومشروع أوركا (Orca) التابع لشركة مايكروسوفت اللذان استخدما مخرجات نماذج أكثر تقدماً لتحسين أداء نماذج أصغر،

 كما استخدم باحثون صينيون مخرجات نماذج أميركية في مشروعات بحثية عامة، من بينها تطوير نماذج مخصصة للغة الصينية.

ويكمن الفارق الأساسي في طبيعة الوصول إلى النماذج؛ إذ تتيح النماذج مفتوحة الأوزان للباحثين فحص معاييرها الداخلية وتعديلها، 

بينما تبقى النماذج مغلقة المصدر، مثل "تشات جي بي تي" من "أوبن إيه آي" و"كلود" من "أنثروبيك"، تحت سيطرة مطوريها، ويجري الوصول إليها عادة عبر واجهات برمجية أو خدمات مملوكة للشركات.

محور خلاف بين واشنطن وبكين؟

لا يدور الجدل حول تقنية "تقطير النماذج" نفسها، بل حول استخدامها لاستخلاص قدرات النماذج التجارية من دون إذن. 

وترى شركات الذكاء الاصطناعي أن هناك فرقاً بين الأبحاث المشروعة وبين جمع مخرجات النماذج المغلقة بصورة منهجية بهدف إعادة إنتاج قدراتها التجارية.

 واتهمت شركة أنثروبيك جهات صينية، من بينها "ديبسيك" ومونشوت" و"ميني ماكس"، بتنفيذ حملات واسعة لاستخلاص قدرات نموذج كلود، ولا سيما في مجالات هندسة البرمجيات والاستدلال المتقدم، 

كما أعلنت "أوبن إيه آي" رصد محاولات من جهات صينية لاستخدام نماذجها في عمليات مرتبطة بتقنية "تقطير النماذج". في المقابل، لم تتهم أي شركة صينية حتى الآن منافسيها الأميركيين باستخلاص قدرات نماذج مغلقة المصدر.