Logo

ذكاء اصطناعي يصمم التجارب العلمية وينفذها داخل المختبرات

 طوّر باحثون أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على مساعدة العلماء في تصميم التجارب العلمية وتنفيذها داخل المختبرات، في تحول يجعل هذه الأنظمة أقرب إلى مساعد بحثي يستطيع قراءة الدراسات، 

واقتراح خطوات العمل، والتعامل مع بعض الأجهزة المخبرية المتصلة بالحاسوب. تعتمد هذه الأنظمة، التي تُعرف أحياناً باسم الوكلاء الأذكياء، على نماذج لغوية كبيرة لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل تحلل الهدف العلمي المطلوب ثم تقسمه إلى خطوات قابلة للتنفيذ.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك نظام Coscientist الذي طوره باحثون في جامعة كارنيغي ميلون، ونُشرت نتائجه في دورية نيتشر عام 2023، إذ يستطيع البحث في الأدبيات العلمية، 

واختيار الطريقة المناسبة لإجراء تجربة كيميائية، ثم إرسال التعليمات إلى أجهزة مخبرية روبوتية.

ويبدأ عمل المساعد المخبري الذكي عادة من قراءة كمية كبيرة من الأوراق البحثية وبراءات الاختراع لفهم طبيعة المادة أو التفاعل المطلوب.

 بعد ذلك يقترح خطة للتجربة تتضمن المواد المستخدمة، والكميات، ودرجات الحرارة، وترتيب الخطوات. 

وفي حال كان المختبر مزوداً بأجهزة يمكن التحكم بها برمجياً، يستطيع النظام إرسال أوامر إلى أذرع روبوتية أو أجهزة خلط وتسخين وقياس، لتنفيذ أجزاء من التجربة من دون أن يضطر الباحث إلى متابعة كل خطوة يدوياً.

وتكمن أهمية هذه الأنظمة في قدرتها على تقليل الوقت الذي تستغرقه التجارب المتكررة، خصوصاً في مجالات مثل اكتشاف الأدوية وعلوم المواد. ففي هذه المجالات قد يحتاج الباحثون إلى تجربة مئات التركيبات قبل الوصول إلى نتيجة مناسبة. 

ومن أمثلة ذلك تحسين تفاعلات كيميائية معقدة، مثل تفاعلات الاقتران المتبادل المحفزة بالبلاديوم التي تتطلب عادة ضبطاً دقيقاً للمواد والظروف المستخدمة.

 ويساعد الذكاء الاصطناعي هنا في اختيار التجارب الأكثر احتمالاً للنجاح، بدلاً من الاعتماد على المحاولة والخطأ وحدهما.

كما يمكن لهذه الأنظمة تحليل نتائج التجربة بعد انتهائها ومقارنتها بما كان متوقعاً. فإذا لم تنجح التجربة، تقترح تعديلات على الكميات أو الظروف المستخدمة، ثم تعيد بناء الخطة من جديد.

 ولا يعني ذلك أن دور الباحث البشري انتهى، بل إن النظام يعمل كأداة تساعده على التخلص من جزء كبير من العمل الروتيني، وتمنحه وقتاً أكبر للتفكير في النتائج وتقييمها.
 
ويرى باحثون أن استخدام هذه الأنظمة قد يغير طريقة العمل في المختبرات خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تطور الروبوتات المخبرية وانخفاض تكلفة الأجهزة القابلة للتحكم عن بُعد. 

فقد تصبح المختبرات أكثر قدرة على تشغيل التجارب لفترات طويلة، وجمع البيانات بصورة منتظمة، وتقليل هدر المواد الكيميائية المكلفة.

ومع ذلك، لا تزال هذه التقنية بحاجة إلى رقابة علمية دقيقة. فالأخطاء في تصميم تجربة كيميائية أو بيولوجية قد تكون مكلفة أو خطيرة، 

لذلك يحتاج الباحثون إلى وضع حدود واضحة لما يمكن أن ينفذه النظام وحده، وما يجب أن يراجعه الإنسان قبل التطبيق. كما تبرز أسئلة تتعلق بموثوقية النتائج، ومسؤولية اتخاذ القرار، وحماية المختبرات من الأوامر غير الآمنة.

وفي حال نجحت هذه الأنظمة في إثبات دقتها على نطاق واسع، فقد تساعد الجامعات الصغيرة والشركات الناشئة على إجراء أبحاث كانت تتطلب في السابق فرقاً كبيرة ومختبرات باهظة التكلفة. 

عندها لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد برنامج لتحليل البيانات، بل جزءاً من دورة البحث العلمي نفسها، من قراءة الفكرة الأولى إلى تنفيذ التجربة ومراجعة نتائجها.