Logo

من إقليم الباسك إلى إنكلترا.. قصة 3 أصدقاء بلغوا قمة كرة القدم

 تجمع الثلاثي ميكيل أرتيتا بطل الدوري الإنكليزي مع أرسنال، وأندوني إيراولا الذي تولى مهمة الإشراف على ليفربول، وتشابي ألونسو الوافد الجديد إلى تشلسي الإنكليزي،

 قصة مثيرة للغاية، تتمحور حول ثلاثة أصدقاء ولدوا في البقعة الجغرافية نفسها بإسبانيا، وجمعهم نادٍ مغمور في شبابهم، قبل أن يشقّ كلّ واحدٍ منهم مسيرته لاعباً ثم مدرباً.

وهناك في إقليم الباسك الواقع على بحر قنطبرية التابع للمحيط الأطلسي، الذي عاش فيه الفيلسوف فرانثيسكو دي فيتوريا، وانطلق منه الرحالة خوان سباستيان إلكانو إلى جانب قائده فرديناند ماجلان،

 تدور قصة تمتد إلى إنكلترا وعالم كرة القدم، عنوانها المثابرة والإصرار والعمل.

وتعود علاقة المدربين الثلاثة إلى أيام الطفولة عندما كانوا في الثامنة من العمر، حينها لعبوا على ملعب ترابيٍ لنادٍ صغيرٍ في إقليم الباسك،

 وهو أنتيغوكو كيرول إلكارتيا الشعبي في سان سباستيان، الذي لم يكن يوماً فريقاً من النخبة، بل عُرف بميزانية محدودة وبملاعب أسمنتية، 

لكن مع مواهب صنعت لنفسها اسماً مع مرور السنوات، مع العلم أن مدرب أستون فيلا أيضاً أوناي إيمري ينحدر من المنطقة نفسها.

المدرب أرتيتا روى فصلاً من هذه الرحلة في وقتٍ سابق، يوم تحدث عن أنّه كان يقطن على بعد 5 دقائق من ألونسو وإيراولا، 

واصفاً ذلك بأنّه "أمرٌ مذهل"، وفي مقابلة سابقة عام 2024، قال مدرب "الغانرز" عن سبب وصول العديد من مدربي الباسك إلى الدوري الإنكليزي أمثال جولين لوبيتيغي وخافي غارسيا سابقاً: 

"اذهبوا إلى سان سيباستيان ثم عودوا، واسألوني، ربما ذلك بسبب الشغف والطعام والتعليم الذي تلقيناه جميعاً، ربما يتعلق بالفرص وضرورة وجود من يؤمن بك".

إيراولا بدوره اعترف في إحدى المناسبات، بحسب ما ذكرت "بي بي سي"، أنّهم واجهوا بعضهم بعضاً في مباريات المدارس وعلى الشاطئ، قبل أن يصقلوا ذلك الشغف في أرضية الملعب بمنطقة بيريو، موطن نادي أنتيغوكو،

مشيراً إلى أنهم لا يزالون أصدقاء حتى الآن بعدما انتقلوا إلى وجهات أخرى في آخر فترات التسعينيات، إذ انتقل أرتيتا أولاً إلى برشلونة ووقع عقداً مع أديداس لرعاية أحذيته،

 وطلب منهم تزويد فريقه السابق ببعض الملابس الرياضية الجديدة، ولم يقطع علاقته قط مع القائمين على المكان الذي دفعه إلى صعود سلم النجومية،

 أما ألونسو، فلعب بعدها في ريال سوسييداد الباسكي، وإيراولا رحل إلى أثلتيك بلباو الذي يُعد من أبرز معالم الكرة في الإقليم، لأنّه حافظ على تراثٍ لم يعد موجوداً عملياً في الكرة الأوروبية، ألا وهو الاعتماد على أبناء تلك المنطقة، ورفض التعاقد مع أيّ لاعبٍ أجنبي.

بدأ ألونسو وإيراولا مسيرتهما التدريبية في أنتيغوكو بعد حصولهما على الرخصة الاحترافية من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم. وقال مدرب ليفربول الحالي لهيئة الإذاعة البريطانية مؤخراً: 

"من المذهل أن نرى بعضنا بعضاً على ملاعب كرة القدم رفيعة المستوى بعد مرور 30 ​​عاماً". 
 
وكشف رئيس اتحاد منطقة غيبوثكوا الباسكية لكرة القدم مانو دياز، في تصريحات لشبكة "إي إس بي إن" الأميركية، أن هناك كثيراً من المدربين في تلك المنطقة قائلاً:

 "هذا يعود إلى روح التكاتف المجتمعي التي تسود بيننا، فالناس يرغبون في رد الجميل للمجتمع. الأطفال يطمحون لأن يصبحوا مدربين، 

وينتظرون بفارغ الصبر بلوغ السادسة عشرة من العمر ليبدأوا بتلقي شهاداتهم التدريبية، تماماً كما ينتظرون فرصة تعلم القيادة. كما يتعلمون منذ الصغر كيف يكونون جزءاً من مجموعة كبيرة، وهذا ما يُهيئهم في النهاية ليصبحوا قادةً بارعين. 

المدرب يحظى باحترام كبير. قد يتصور البعض وجود مدرسة كروية موحدة هنا، لكن في الحقيقة، الأمر يتجاوز مجرد رؤية مشتركة للعبة، إنه رؤية مشتركة للحياة. هناك كلمة باسكيّة تلخص هذا المعنى: (أوزولان) التي تعني العمل معاً بروح التعاون والود".

من جانبه، يرى روبرتو مونتيل، نائب الرئيس والمدير الرياضي للنادي الذي ترعرع فيه المدربون الثلاثة: "نحن مجرد نادٍ محلي؛ لقد حالفنا الحظ بالتزامن مع جيل من اللاعبين المميزين، عندما كان أرتيتا وإيراولا وألونسو أطفالاً،

 كنا نلعب على ملعب ترابي. بالنسبة لنادٍ مثل نادينا، من دواعي فخرنا أن نرى كيف حققوا النجاح لاعبين ثم مدربين".

ويكشف مونتيل في تصريحاته لـ"بي بي سي" أيضاً جزءاً من شخصيات الثلاثة: "كان أندوني إيراولا طفلاً خجولاً جداً يتمتع بموهبة استثنائية. كان ميكيل أرتيتا قائداً آنذاك، كما هو اليوم. أما تشابي ألونسو، فامتاز بالهدوء، لكنه كان صانع ألعاب ممتازاً في الملعب".
 
يعشق الثلاثة موطنهم، وهو أمر يعترف به ألونسو، إذ قال أثناء فترته مع الفريق الرديف لريال سوسييداد: "هذه جذوري ولدت على بُعد 15 دقيقة من هنا، وأعيش بالقرب منه، كان والدي لاعباً، ثم أصبح مدرباً، لذا لطالما كان لي ارتباط وثيق بالنادي.

 كنت أذهب إلى الملعب، ولكن حالفني الحظ لاحقاً باللعب للفريق الأول، وكان ذلك بمثابة حلم تحقق في تلك اللحظة".

وتأسس نادي أنتيغوكو عام 1982، قبيل انطلاق كأس العالم في إسبانيا، حين كان عملاقا الباسك، ريال سوسييداد وأثلتيك بلباو، يهيمنان على كرة القدم الإسبانية، حيث فاز كلاهما بلقبين متتاليين بين عامي 1981 و1984، 

وكان لهذا النجاح دورٌ في ولادة ذلك الفريق في مدينة سان سيباستيان المكتظة بالسكان.

لم تكن الظروف الصعبة عائقاً أمام النجاح، فقد خرّج النادي أكثر من 40 لاعباً وصلوا إلى أعلى المستويات، بمن فيهم المهاجم الأسطوري لبلباو أريتز أدوريز. 

ومن أبرز إنجازات نادي أنتيغوكو تسجيل خمسة أهداف في مرمى سوسييداد، الفريق المحلي المحترف، في فئة الشباب، والفوز على ريال مدريد الذي ضمّ حارس المرمى إيكر كاسياس بنتيجة 4-2، وكان ألونسو وإيراولا ضمن تشكيلته عام 1999. 

اليوم تغيّر الحال في فريق أنتيغوكو، فاختفى الملعب الخرساني وبات يمتاز بأرضية صناعية عالية الجودة، لكنه لن يتوقف عن تقديم النجوم الذين سيسيرون على طريق أسلافهم.