Logo

وجه الفيفا الخفي.. ثالوث الفساد والمال والسلطة

 لطالما أثار الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أسئلة كثيرة حول طريقة إدارته، وحول العلاقة بين الرياضة والمال والسلطة داخل المؤسسة التي تتحكّم في اللعبة الأكثر شعبية في العالم. 

وليس بعيداً عن هذا الفضيحة التحكيمية الأخيرة التي شهدناها، الاثنين الماضي، في مباراة مصر والأرجنتين، والتي كشفت عن رؤية منحازة انعكست سريعاً على أرض الملعب، 

ولعلّ كتاب الصحافي البريطاني ديفيد كون "سقوط الفيفا: الفساد، المال، السلطة" (ترجمة: محمد عثمان خليفة، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2021)، يساعد في فهم كواليس إدارة اللعبة وما يحيط بها من "ترتيبات". 

يقدّم الصحافي إجابات تستند إلى التحقيقات والوثائق، متتبعاً تاريخ الفيفا منذ تأسيسه، وصولاً إلى الأزمات التي هزت صورته في السنوات الأخيرة. 

يركز الكتاب بشكل أساسي على مرحلة صعود جوزيف سيب بلاتر، الذي انتقل داخل المؤسسة من منصب المدير الفني عام 1975 إلى رئاسة الاتحاد عام 1998، قبل أن يغادر منصبه عام 2015 تحت ضغط الفضائح والتحقيقات.

 ويرصد كيف استغل جياني إنفانتينو الفراغ الإداري المفاجئ وسقوط بلاتر وميشيل بلاتيني ليرشح نفسه ويفوز برئاسة الفيفا عام 2016. 

كما يحلّل الوعود التي أطلقها إنفانتينو بشأن إدخال "الحوكمة والشفافية" وطي صفحة الفساد، ولكن هذا الإداري المتمرّس سرعان ما انساق لضمان الحفاظ على مصالح الفيفا المالية كإمبراطورية تجارية كبرى، مع تغيير الوجوه القديمة فقط.
 
يتعامل الكتاب مع الفساد باعتباره نتيجة لمنظومة كاملة تشكّلت عبر سنوات طويلة. ويتناول قضايا مرتبطة بالانحياز للرُّعاة الأوروبيين، ودور الشركات الكبرى في التأثير بالقرارات من خلال المضاربات،

 إضافة إلى الطرق التي سعت من خلالها شخصيات نافذة إلى ضمان الأصوات الانتخابية داخل الاتحادات الكروية. 

ويكشف الكتاب أن المعارك داخل الفيفا كثيراً ما ارتبطت بصراعات على النفوذ والعقود وحقوق النقل والعوائد التجارية.

تكمن أهمية الكتاب في أنه يعيد النظر في الصورة المثالية التي تحيط بكرة القدم. فالجماهير ترى الملاعب واللاعبين والأهداف والاحتفالات، لكنها غالباً لا ترى ما يحدث خلف الكواليس من مفاوضات وصفقات وحسابات انتخابية. 

ومن هنا تأتي الفكرة الأساسية التي يطرحها كون، باعتبار أن اللعبة التي تبدو للجميع مساحة للفرح والمنافسة، تحوّلت أيضاً إلى مجال تتقاطع فيه السياسة والنفوذ.

يوضّح المؤلف أن أزمة الفيفا عميقة، وبالتالي لا يمكن اختزالها في أسماء محددة، رغم أن شخصيات مثل بلاتر وغيره تصدّرت المشهد. 

فالمشكلة، وفق الكتاب، ترتبط بطريقة عمل سمحت بتراكم السلطة داخل مؤسسة دولية ضخمة من دون رقابة كافية، وجعلت المصالح الخاصة قادرة على التأثير في القرارات التي يفترض أن تخدم مستقبل اللعبة. 

بهذا تُحيط قراءة كون، إلى حدّ كبير، بكيفية صناعة السلطة داخل المؤسسات الرياضية العالمية والأسئلة المتعلقة بها مثل كيف تُبنى التحالفات، وكيف تُستخدم الموارد المالية لكسب التأييد، وكيف يمكن أن تتحول الديمقراطية الشكلية إلى غطاء لعلاقات معقدة بين أصحاب القرار.