Logo

هل أُقصيت مصر بسبب التحكيم؟ وهل استمرار ميسي في المونديال أهم من عدالة المباراة؟

 سؤالان كبيران خرجا من قلب ليلةٍ لم تكن عادية.. ليلةٌ تقدمت فيها مصر بهدفين على بطل العالم.. وبدت أقرب من أي وقتٍ مضى إلى إسقاط الأرجنتين.. ثم تغير كل شيء في دقائق قليلة.. 
ثلاثة أهداف أرجنتينية.. هدف مصري ملغى.. مطالبات بركلة جزاء.. احتجاجات صاخبة.. وشعورٌ عربي واسع بأن شيئاً ما لم يكن طبيعياً.. 
لكن بعيداً عن الغضب.. 
ماذا قالت الصحافة الكبرى في العالم؟ 
في إسبانيا لم تمر المباراة مرور الكرام.. صحف مثل «إل باييس» و«آس» و«موندو ديبورتيفو» توقفت كثيراً أمام الحالات التحكيمية.. خصوصاً هدف مصر الملغى.. 
ثم اللقطات التي سبقت هدف الأرجنتين الثالث.. بعضها رأى أن الحكم شدّد في الحالة المصرية.. ثم تساهل في حالات أرجنتينية مشابهة.. وبعضها لم يقل صراحةً إن المباراة سُرقت.. لكنه وضع علامة استفهام كبيرة أمام اتساق معيار الـVAR..
 وهنا كانت الحجة المصرية الأقوى.. ليس بالضرورة أن كل قرار كان خاطئاً.. لكن السؤال هو: لماذا صار التدقيق صارماً حين سجلت مصر.. وأقل صرامةً حين كانت الأرجنتين تبحث عن ثغرةٍ للنور؟ 
في إنجلترا انقسمت الآراء.. «سكاي سبورتس» رأت أن إلغاء الهدف المصري يمكن تبريره قانونياً بسبب المخالفة التي سبقت الهجمة.. لكنها في الوقت نفسه توقفت عند الاحتكاك الذي سبق هدف الأرجنتين الثالث.. ورأت أن الغضب المصري لم يكن بلا أساس.. 
أما «الغارديان» و«التلغراف» فقد أبرزتا شعور المنتخب المصري بالظلم.. وذهبتا أبعد في الحديث عن عدم اتساق القرارات.. وعن أن مصر ربما لم تحصل على المعاملة التحكيمية نفسها التي حصلت عليها الأرجنتين.. 
في إيطاليا كانت الرواية أكثر هدوءاً.. عودة أرجنتينية مجنونة.. غضب مصري مفهوم.. قرار تحكيمي مثير للجدل.. لكن دون دليلٍ واضح على وجود مؤامرة.. 
أما في الأرجنتين فكان المشهد مختلفاً بطبيعة الحال.. الصحافة هناك احتفت بروح البطل.. وبالعودة من التأخر بهدفين.. وبالشخصية التي أعادت الأرجنتين إلى المباراة في لحظةٍ بدا فيها الإقصاء قريباً..
 لكن حتى الصحف الأرجنتينية لم تستطع تجاهل الغضب المصري.. نقلت تصريحات حسام حسن.. وذكرت الاحتجاجات.. واعترفت بأن المباراة لم تخرج من دائرة الجدل.. 
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب.. 
هل استحقت مصر التأهل؟ 
نعم.. على مستوى الأداء.. مصر استحقت على الأقل ألا تخسر في الوقت الأصلي.. أن تتقدم بهدفين على الأرجنتين.. وأن تحاصر حامل اللقب حتى الدقائق الأخيرة.. فهذا ليس أداء فريقٍ عادي.. ولا حكاية صدفة.. 
مصر صنعت ما يكفي لتكون جديرةً بالعبور.. لكنها أيضاً لم تحسن حماية ما صنعته.. حين تتقدم بهدفين في مباراةٍ كهذه.. ثم تستقبل ثلاثة أهداف في وقتٍ قصير.. 
فلا يمكن أن تضع الهزيمة كلها في جيب الحكم.. التحكيم ربما أضر بمصر.. نعم.. 
لكن مصر أيضاً ساعدت الأرجنتين على العودة حين فقدت هدوءها.. وتراجعت أكثر مما ينبغي.. ولم تعرف كيف تُميت المباراة.. أما هدف مصر الملغى فهو القرار الأكثر تعقيداً.. 
يمكن للحكم أن يبرر الإلغاء قانونياً.. لأن المخالفة وقعت في بداية الهجمة.. لكن هل كانت المخالفة مؤثرةً بما يكفي؟ 
وهل كان من العدل العودة إلى تلك اللقطة تحديداً؟ وهل طُبق المعيار نفسه في الجهة الأخرى؟ هنا يبدأ الجدل الحقيقي.. 
المشكلة ليست دائماً في القرار وحده.. بل في اتساق القرار.. حين تُحاسب فريقاً على أدق احتكاك.. ثم تمرر احتكاكاً مشابهاً للفريق الآخر.. فأنت لا تصنع عدالة.. بل تصنع شكاً.. 
وهنا أيضاً ظهر السؤال الأخطر.. 
هل كان استمرار ميسي مهماً تجارياً للمونديال؟
بالتأكيد.. ميسي ليس لاعباً عادياً.. والأرجنتين ليست منتخباً عادياً.. وبقاؤهما يعني مشاهداتٍ أعلى.. اهتماماً أكبر.. إعلاناتٍ أكثر.. وجمهوراً أوسع.. هذه حقيقة تجارية لا تحتاج إلى كثيرٍ من الذكاء.. 
لكن هل تكفي هذه الحقيقة لإثبات أن المباراة دُبرت؟
لا..
حتى الآن لا يوجد دليل حقيقي.. لا وثيقة.. لا تسريب.. لا اعتراف.. لا شيء يحوّل الشك إلى حقيقة.. كل ما لدينا هو قرارات متناقضة.. ومصالح تجارية واضحة.. وغضب مفهوم..
 لكن بين المصلحة والمؤامرة مسافة كبيرة.. من حق الجماهير أن تشك.. ومن حقها أن تسأل لماذا تتغير المعايير حين يكون ميسي في الجهة الأخرى.. لكن ليس من العدل أيضاً أن نحول كل هزيمة أمام نجمٍ كبير إلى مؤامرة كاملة.. 
الحقيقة كما أراها تقع في المنتصف.. مصر لم تكن ضحية وهم.. كانت لديها أسباب حقيقية للاحتجاج.. لكنها أيضاً لم تكن ضحية مؤامرة مثبتة.. 
استحقت مباراةً أوضح تحكيمياً.. واستحقت اتساقاً أكبر في القرارات.. وربما استحقت أن تذهب بالمواجهة إلى وقتٍ إضافي أو ركلات الترجيح.. لكنها في النهاية خسرت أيضاً لأنها لم تعرف كيف تحافظ  على تقدمها..
 لم يكن الحكم وحده من أعاد الأرجنتين.. ولم تكن الأرجنتين وحدها بريئةً من كل الشكوك.. 
في مثل هذه المباريات لا تكون الحقيقة سوداء أو بيضاء.. أحياناً تكون رماديةً تماماً.. رماديةً مثل صافرةٍ يمكن تفسيرها بطريقتين.. ومثل VAR يرى لقطةً.. ولا يرى أخرى.. 
ومثل بطولةٍ تحتاج إلى نجومها.. لكنها تحتاج أكثر إلى أن يصدق الناس عدالتها..