Logo

محمد مرشد ناجي... حارس الذاكرة الغنائية اليمنية

 في مطلع السبعينيات، وبينما كان الناقد الراحل عبد العزيز المقالح يعد برنامجه الإذاعي "أدب ونغم" في صنعاء، واجهه لغز صغير: كتاب طريف في موضوعه يحمل اسم "أغانينا الشعبية"، صادر في عدن عام 1959.

 تملّكت المقالح الدهشة وهو يقرأ صفحات الكتاب، فالمؤلّف لم يكن سوى الفنان ذائع الصيت محمد مرشد ناجي. يومها، لم يصدق المقالح، بسبب الصورة النمطية الشائعة عن الفنانين باعتبارهم منشغلين بالطرب وبعيدين عن الكتابة والبحث، أن مطرباً بحجم المرشدي يمكنه أن يمسك بالقلم ويدوّن التاريخ. 

وتساءل: هل هو المرشدي الفنان، أم مرشدي آخر يتخفى خلف اسم متشابه؟

لم تدم الشكوك طويلاً حتى انجلت الحقيقة، ليدرك المقالح أنه أمام حالة استثنائية. كان محمد مرشد ناجي مثقفاً وشاعراً ومؤرخاً وباحثاً انبرى لحراسة الذاكرة الغنائية اليمنية من الضياع، مثبتاً أن الفن لديه لم يكن منفصلاً عن المعرفة والتوثيق.

تكتسب هذه الحكاية دلالتها مع حلول ذكرى ميلاده في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني،


 إذ ولد المرشدي في مدينة الشيخ عثمان بعدن عام 1929 لأب يمني من مديرية خدير محافظة تعز وأم صومالية، قبل أن يصبح واحداً من أبرز الأسماء التي تركت بصمتها في تاريخ الأغنية اليمنية، مطرباً وملحناً وباحثاً وفاعلاً ثقافياً وسياسياً، إلى أن رحل في السابع من فبراير/شباط 2013.
 
قد انطلق وعيه المبكر من حفظ القرآن الكريم كاملاً في صغره، وهو الأساس الذي صقل أذنه الموسيقية. لم يكمل المرشدي تعليمه النظامي ولم يلتحق بأي معهد موسيقي أكاديمي، ورغم ذلك استطاع أن يعلّم نفسه بنفسه.
 
وفي شهادة تعكس جانباً من جذوره الإنسانية والاجتماعية، تسلط ابنته مها المرشدي الضوء على تفاصيل تلك المسيرة العصامية، فوالدها الذي وُلد يتيماً وفقيراً لأبٍ تعزي وأم صومالية من قبيلة عريقة، لم يُكمل تعليمه النظامي، لكنه "حفظ القرآن الكريم في صغره، وتعلّم الإنكليزية وأتقنها على يد أحد الشيوخ".

لم تكن دهشة المقالح نابعة من مجرد تأليف مطرب لكتاب، بل من ريادة الاشتغال المعرفي للمرشدي في زمن يفتقر للتوثيق، إذ شكل كتابه الأول "أغانينا الشعبية" (1959) محاولة مبكرة لتعاملٍ بحثي مع الأغنية الشعبية في عدن ولحج بوصفها مادة تاريخية واجتماعية.

 من أهم أعماله "الغناء اليمني القديم ومشاهيره" (1983)، الذي قسّمه إلى دراسة لجذور الغناء وتطوره، وترجمة لأبرز أعلامه، بل وطرح فيه أطروحة جريئة تدافع عن الأصل اليمني للموشح.
 
توالت مؤلفات محمد مرشد ناجي مثل "غنائيات المرشدي" (1998)، و"صفحات من الذكريات" (2000)، و"أغنيات وحكايات" (2001)، لتؤكد إدراكه لضرورة ربط الأغنية بسيرة الفاعلين فيها وسياقها الاجتماعي. ​

موسيقياً، انعكس هذا الوعي التراثي على تجربته الممتدة لأكثر من ستة عقود، والتي قدم خلالها مختلف الألوان اليمنية (اللحجي، الحضرمي، الصنعاني، والتهامي).

المرشدي رائد من رواد التجديد في الأغنية اليمنية، بتميزٍ يضعه في موضع الصدارة بين أقرانه، إذ لم يكتَفِ بالاستلهام من الضروب التقليدية والموازين الشعبية، بل اتخذها ركيزة لإحداث قفزة لحنية فارقة.

وقد تجلّى ذلك في أعمالٍ اتسمت بالثراء الإيقاعي، والقدرة على تطويل الجملة الموسيقية، وتجاوز الأطر اللحنية النمطية لصالح مزجٍ ذكي بين أصالة التراث وعناصر التحديث، مع انحيازٍ أصيلٍ ونوعي نحو التجديد. 

وقد تجسد هذا المسار التجديدي مبكراً منذ انضمامه للندوة الموسيقية العدنية وتعاونه مع رواد مثل الشاعر محمد سعيد جرادة، إذ عمل على تجديد بناء القصيدة وتطوير صياغتها، ليمزج بين الأصالة والحداثة، وتتحول الأغنية في مشروعه من مجرد عاطفة فردية إلى صوت يعبر عن قضايا المجتمع والوطن.
 
تجلّت الرؤية الوطنية والسياسية في تجربة محمد مرشد ناجي من خلال أعمال فارقة وخالدة، فقدّم في أغنية "أنا الشعب" (كتابة وتلحيناً وأداءً) بياناً ثورياً يتحدث فيه الشعب بضمير المتكلم لمواجهة الاستبداد وتغيير الواقع. وتجسّد "نشوان" (كلمات سلطان الصريمي) 

الأغنية السياسية ذات الدلالات الرمزية، فرغم رفض القيادة السياسية لتقديمها عام 1977 في ذكرى الاستقلال، إلا أنه أعاد تسجيلها بصوته وعوده لإذاعة عدن عام 1979 تزامناً مع التوتر العسكري بين شطري اليمن،

 ليتحول رمز "نشوان الحميري" في الذاكرة الشعبية إلى حدث سياسي ارتبط في الوجدان الجمعي بالرئيس اليمني إبراهيم الحمدي. 

كما تجسّد البعد القومي والتحرري في أغنية "يا بلادي" (كلمات لطفي جعفر أمان).

ترك المرشدي رصيداً فنياً غزيراً أثرى الذاكرة الغنائية اليمنية، متنوّعاً بين العاطفي والتراثي والشعبي والفصيح. 

فقد أبدع في اللون العاطفي والشعبي بأغان مثل "ضناني الشوق"، و"يا بن الناس حبيتك"، و"بامعك"، و"أخضر جهيش"، و"مالك كذا يا هلي"، و"وا مكحل عيوني بالسهر"، و"أهلاً بمن سلم"، و"يا نجم يا سامر"، و"حبيبي جاني"، و"لقيته يا ماه"، و"يا سائلي عن هوى المحبوب"، و"يا غارة الله". 

أما في التعامل مع القصيدة الفصحى، فقد برزت قدرته على التلحين والأداء المقامي في أعمال شهيرة منها: "أراك طروباً"، و"يا جارة الوادي"، و"لا تخجلي ودعي الخمار"، و"أنا من ناظري عليك أغار".

لم تقتصر تجربته على الابتكار، بل امتدت إلى تعميق الصلة بالموروث عبر إعادة تقديم أغاني تراثية مثل: "على مسيري"، و"يا عيدوه"، و"ليه يا بوي"، و"شابوك أنا"، و"عن ساكني صنعاء"، 

فأعاد صياغتها موسيقياً بطريقة تحفظ روح النص واللحن وتضيف إليها ملامح أسلوبه الخاص.
 
كما تجاوزت ألحان محمد مرشد ناجي الحدود الجغرافية لليمن لتصل إلى الجمهور الخليجي والعربي، وكان من أبرز الشواهد على ذلك إهداؤه لحن "ضناني الشوق" للمغني محمد عبده، 

وهي الخطوة التي شكّلت جسراً متيناً لعبور الأغنية اليمنية وإيقاعاتها الفريدة نحو فضاءات الطرب الخليجي والعربي الأرحب.

 وتؤكد شراكاته الممتدة مع شعراء مثل محمد سعيد جرادة ولطفي جعفر أمان، على الأثر البالغ للتكامل بين الشاعر والملحن في تأسيس وتطوير معالم الأغنية اليمنية الحديثة.

امتدت تجربة المرشدي لتشمل العمل السياسي والنقابي، فقد شارك بفاعلية في الحركة الوطنية، وتولى عضوية مجلس الشعب في جنوب اليمن خلال حقبة الثمانينيات، وترأس اتحاد الفنانين اليمنيين مدافعاً عن مصالحهم ومنظماً للحياة الثقافية.

 وبعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، عمل مستشاراً لوزير الثقافة، ثم انتخب عضواً في مجلس النواب لدورة 1997-2003، محققاً تكاملاً فريداً بين فضاءات الفن والسياسة.

فخر العزب
صحافي يمني