آلة القنبوس الموسيقية: ضربات على وتر يمني يقاوم النسيان
من قلب المعاناة والغياب الثقافي، يخوض الشاب اليمني صلاح عبد الفتاح معركة لإحياء آلة القنبوس الموسيقية التاريخية، وإعادة صوتها الدافئ إلى الواجهة عبر مشروعه الفردي، ومبادرته الموسومة بـ"وتر يمني".
فبعدما اقتصر حضور هذه الآلة لسنوات طويلة على دائرة ضيقة للغاية من الفنانين والمهتمين، بات صلاح اليوم واحداً من القلائل الذين لا يتجاوز عددهم خمسة أشخاص المنشغلين بصناعة هذا الإرث الموسيقي العريق في اليمن.
تحتل آلة القنبوس (تُعرف محلياً أيضاً بالطرباني أو العود الصنعاني القديم) مكانة رفيعة في ذاكرة الموسيقى اليمنية والعربية.
شكلت هذه الآلة على مدار قرون طويلة العمود الفقري والأساس لحراسة هوية الفنون التقليدية، لا سيما الغناء الصنعاني والحضرمي والموشحات اليمنية الأصيلة التي صُنّف بعضها ضمن التراث الإنساني العالمي.
كما ترتبط الذاكرة الشعبية بأسماء كبار الشعراء والعازفين، فمثلاً لُقّب الشاعر اليمني يحيى عمر بالمقنبس نسبةً إلى عزفه عليها.
لآلة القنبوس مسميات تراثية أخرى متعددة إلى جانب الطربي والعود الصنعاني، تشمل: المِزهر، وباب الحنة، وعود هندي.
وهي الآلة التي أجاد العزف عليها قديماً كبار الفنانين اليمنيين، مثل قاسم الأخفش، وإبراهيم الماس، وأحمد عبيد قعطبي.
كما استخدمها الفنان حسين محب في بعض الحفلات التي نظمتها أخيراً الأوركسترا اليمنية بقيادة الفنان محمد القحوم.
وعلى الرغم من هذا التاريخ العريق، شهدت آلة القنبوس تراجعاً تدريجياً في انتشارها مع أوائل القرن العشرين، لصالح العود الشرقي الحديث الذي فرض نفسه بقوة على الساحة الموسيقية الفنية.
هذا التحول التاريخي أدى بالتدريج إلى انحسار القنبوس واختفائها من المشهد العام، ليقتصر حضورها النادر على أوساط ضيقة تضم نخبة من الفنانين التقليديين والباحثين والمهتمين بحراسة التراث الموسيقي المهدد بالنسيان.
لم تكن بداية صلاح مع القنبوس وليدة خطط مسبقة، بل كانت امتداداً شغوفاً لممارسته النجارة والأعمال الخشبية التي جعلته قريباً من تفاصيل الخامات وأدوات التشكيل.
كان اهتمامه منحصراً في البداية برسم الأشكال على الألواح الخشبية، إلى أن شاهد عام 2020 مقطعاً مصوراً للفنان محمد الهجري في تقرير تلفزيوني، ليتعرف حينها إلى أصل هذه الآلة ويشرع في رحلة بحث شغوفة عنها.
تحول هذا الشغف البصري إلى التزام عملي حين انخرط في البرنامج التدريبي "عودة إلى السطح"، الذي نظمه البيت اليمني للموسيقى.
ومع تعمقه في تاريخ الآلة، أدرك أنها تمثل ذاكرة يمنية مهددة بالاندثار، فتحول الشغف إلى مسؤولية وطنية لحفظ التراث وتتويج الرحلة بتأسيس مشروع وتر يمني.
تتميز آلة القنبوس ببنية هندسية وفنية فريدة تفصلها جذرياً عن سائر الآلات الوترية المجاورة لها. فعلى مستوى الهيكل والشكل، تُصنع الآلة بطريقة نحت معقدة ومضنية،
إذ يُحفر جسم القنبوس (الصندوق الصوتي) وعنقها من كتلة خشبية صلبة واحدة متصلة من دون أي فواصل، وغالباً ما تُستخدم أخشاب محلية متينة وعميقة الجذور مثل شجر السمر، أو العنب، أو الجوز، وذلك بدلاً من تقنية تجميع الأضلاع الخشبية المنفصلة التي تُميز صناعة العود الشرقي الحديث.
أما في ما يخص الوجه والصوت، فإن الفارق يكمن في غطاء الصندوق الصوتي، إذ لا تعتمد القنبوس على لوح خشبي رقيق، بل يُغلف وجهها بجلد حيواني طبيعي ممدود بدقة وعناية (غالباً من جلد الماعز)، ما يمنح الآلة رنيناً صوتياً حاداً ودافئاً في آن، وخصائص نغمية فريدة تضفي على العزف طابعاً مميزاً لا تملكه الآلات الخشبية المصمتة.
في ما يتعلق بالأوتار، تعتمد الآلة تقليدياً على أربعة أوتار (تكون غالباً مزدوجة أو مفردة بحسب الطراز الفني أو المنطقة)، وتخضع لعملية دوزان تضبط تناغم النغمات لتتلاءم مع مقام وطبيعة الغناء اليمني التقليدي، وتسمح بإبراز مخارج الألحان بحساسية وعمق شديدين.
تكشف التفاصيل التقنية للآلة عن تنوع لافت في تكوين أوتارها الأربعة، فتُصنع ثلاثة أوتار منها مزدوجة ومن خامة النايلون،
بينما يُخصص الوتر الرابع ليكون مفرداً وغالباً ما يُصنع من الحرير المغطى بالمعدن، لتولّد الصوت عبر نقرها بريشة خاصة تشبه ريشة العود العربي، لكنها تمنح صوتاً أكثر شجناً وعمقاً يعكس روح الجلسات الطربية القديمة.
تتطلب صناعة القنبوس دقة وصبراً يضاهيان النحت الفني الرفيع. وقد تلقى صلاح أساسيات هذه الصنعة على يد فؤاد القديمي، ليتوج جهوده عام 2022 بصناعة أولى مجموعاته.
تختلف الآلة عن العود الحديث بأنها تُحفر يدوياً من كتلة خشبية واحدة، ما يضع الصانع أمام تحدٍ شاق في اختيار المواد الخام.
يشرح صلاح هذه المعاناة بقوله: "هذه من أكثر المراحل التي أتعب فيها... القنبوس تحتاج إلى مواد مناسبة، كالطنب والمشمش، وأحياناً أضطر للذهاب إلى مناطق جبلية للبحث عن جذوع مقطوعة منذ أكثر من عامين".
إلى جانب التحديات اللوجستية وارتفاع تكاليف النقل والأدوات، تستغرق مرحلة النحت وتجويف الجسم الخشبي وحدها ما بين 20 و30 يوماً من الحذر الشديد،
إذ يوضح صلاح أن "أي خطأ في إزالة الخشب لا يمكن تداركه، وقد يفسد ساعات أو أياماً من العمل المضني قبل الانتقال لمراحل شد الجلد وتركيب الأوتار".
حين نقارن آلة القنبوس بالعود الشرقي الحديث، تبرز فروقات جوهرية تمس الهيكل والملامح الصوتية.
فالعود الشرقي يتميز بحجمه الأكبر، وصندوقه الصوتي المكوّن من أضلاع خشبية متعددة وملتصقة، ولوحه الأمامي الخشبي المزخرف بفتحات الشمسية ليصدر صوتاً عميقاً وجهورياً يتناسب مع التوزيعات الأوركسترالية الكبيرة.
في المقابل، تبدو القنبوس أصغر حجماً وأخف وزناً، وتأتي بهيكل منحوت من كتلة خشبية واحدة متصلة بالعنق، يعلوها غطاء جلدي بدلاً من الخشب، ما يمنحها رنيناً صوتياً حاداً ودافئاً ومفعماً بالخشونة التراثية المحببة التي تلائم الطابع الطربي.
أما على صعيد مقارنتها بالآلات الوترية الأخرى المنتشرة في المحيط العربي والأفريقي، مثل السمسمية أو الطنبورة التي تعتمد غالباً على إطار صندوقي مفتوح أو شبه منحرف
وتُستخدم في ألوان غنائية ساحلية أو طقسية محددة، فإن آلة القنبوس اليمنية تنفرد بهوية صوتية وبنيوية خاصة ومحكمة.
فهي تمتلك عنقاً طويلاً قادراً على استيعاب المقامات والزخارف اللحنية الدقيقة المرتبطة بقواعد الغناء الصنعاني والحضرمي، لتظل بذلك وسيطاً فريداً يجمع بين بدائية الخامات وعبقرية الهندسة الصوتية التقليدية.
يتمتع صلاح بوعي عميق بضرورة الموازنة بين الحفاظ على هُوية القنبوس التاريخية وعدم حبسها داخل قوالب متحفية جامدة،
ويؤكد أنه يرحب بالتحسينات البسيطة والمدروسة التي تسهل على العازف استخدام الآلة بشرط ألا تغير روحها، بهدف مد جسر بين جذور الماضي وعازفي المستقبل.
وعندما يرى آلاته بين يدي الفنانين وتصدح بنغماتها، يشعر بأن كل التعب أصبح له معنى عميق. في ختام تجربته التي أنتجت نحو 30 آلة حتى الآن، يوجه صلاح نداءً مسؤولاً لوزارة الثقافة والمؤسسات المحلية والدولية
محذراً من خطر اندثار الحرف التراثية بالقول: "أخطر ما في الحرف ليس اختفاء المنتج، بل اختفاء الشخص الذي يعرف كيف يصنعه".
يختتم برسالة موجهة إلى جيل الشباب: "لا تنظر إلى تراثك باعتباره شيئاً قديماً، فالتراث قد يكون فرصتك لصناعة شيء جديد، وبأن يحافظ كل منا على جزء صغير، نحافظ في النهاية على صورة كبيرة لليمن".
فخر العزب
صحافي يمني