Logo

فؤاد حجازي... صوت البداوة بين بعلبك وعمّان

 تمثل مسيرة المطرب فؤاد حجازي الذي غادر عالمنا السبت الماضي تجربة حافلة بالإبداع الغنائي والمسرحي، أثرت المشهد الفني الأردني والعربي على مدى عقود طويلة.

 وتتجلى أهمية هذه المسيرة في كونها نموذجاً حياً للتداخل الخلاق بين بيئتين غنائيتين؛ إذ حمل معه من نشأته الأولى في مدينة بعلبك اللبنانية حساسية صوتية متفردة، 

لينصهر، إثر انتقاله واستقراره في العاصمة الأردنية عمّان، في بنية الثقافة الفنية المحلية، غادياً أحد أبرز أعلام الهوية الصوتية الأردنية.

وعبر هذه الرحلة الحافلة، قدم فؤاد حجازي أداءً اتسم بالنقاء والتعبير الصادق، متنقلاً بين الأغنية الوطنية والعاطفية والتراثية، ومساهماً بقوة في رفد المسرح والدراما الغنائية بأعمال ظلت حاضرة في الذاكرة الجمعية. 

وشكّل بذلك نموذجاً مهماً للهجرة الفنية المثمرة، حيث تقاطعت في شخصيته جغرافيتان موسيقيتان غنيتان، أتاحتَا له بناء مسار غنائي متفرد تجاوز حدود المولد والنشأة، ليذوب كلياً في وجدان مجتمعه الجديد.

عاش فؤاد حجازي صباه في بيئة لبنانية تفور بالحراك الفني والانفتاح الثقافي، وهو ما أكسبه منذ بداياته حساسية سمعية عالية ومرونة صوتية لافتة. 

واستوعب في طفولته وبداية شبابه النمط الغنائي الشامي القائم على وقار القافية، ووضوح مخارج الحروف، والاعتماد على قوة الحنجرة ونقائها. 

وشكّل هذا المخزون القاعدة الصلبة التي اعتمد عليها لاحقاً، واكتسب عبرها التدريب الأساسي على الأداء الثابت والتمكن من أدوات الغناء المحكم.

عام 1965، انتقل حجازي إلى عمّان في مرحلة تشكّل الحداثة الغنائية الأردنية وتأسيس إعلامها الرسمي، فوجد في هذا الفضاء الجديد مساحة رحبة لاستثمار طاقته.

 ولم يتعامل مع هذا الانتقال بوصفه اغتراباً أو تجربة مؤقتة، بل استطاع الانخراط سريعاً في بنية المجتمع الفني المحلي. 

ونجح خلال وقت قصير في فهم الخصوصية الغنائية للبيئة الأردنية، القائمة على النغمة الشجية والمفردة البدوية أو الريفية الأصيلة، ليبدأ مرحلة إعادة صياغة لهويته الفنية من دون التنكر لجذوره الأولى.

ويتمثل النجاح الأكبر لحجازي في قدرته على تحويل صوته القادم من طبيعة الجبل اللبناني إلى أداة تعبير صادقة عن الروح الأردنية بشتى ألوانها. خاض تجربة غنائية عميقة قدم خلالها الأغنية الوطنية والأعمال التراثية والشعبية بلهجة محلية متقنة وبإحساس مقتدر، 

حتى غدا لدى الجمهور أردني الصوت والهوى. ولم يأت هذا الانصهار نتيجة محاكاة شكلية، وإنما صدر عن استيعاب حقيقي لمفهوم الأغنية الوطنية والشعبية ودورها في بناء الذاكرة الجمعية.
 
يمثل البناء الصوتي لحجازي ركيزة أساسية في تشكيل تجربته الفنية، فقد تميز بامتلاك حنجرة ذات خصائص تعبيرية واضحة، مكنته من بناء مدرسة غنائية اتسمت بالجمع بين الرصانة والحيوية الشعبية.

 وامتلك صوتاً دافئاً يتمتع بمساحة واسعة وقدرة عالية على التنقل بين الطبقات الصوتية بثبات واستقرار. وتكمن قوة حنجرته في نقاء الرنين والقدرة على ضغط الصوت وإرساله بنبرة واضحة ومستقيمة، من دون التضحية بالدفء العاطفي. 

ومكنته هذه الخصائص من إبراز الجمل الموسيقية الممتدة، إذ كان يتحكم في نَفَسه الغنائي بمستوى يتيح له ختام الآهات والمقاطع الطويلة بدقة، مما أضفى على أدائه طابعاً من الهيبة والوقار.

وتعدّ السلامة اللغوية ووضوح مخارج الألفاظ من أبرز معالم المدرسة الغنائية التي ينتمي إليها. كان يولي الكلمة المغناة أهمية قصوى، وينطق الحروف بوضوح تام يتيح للمستمع فهم النص الشعري وسماع تفاصيله بسهولة. 

ومع هذا الاعتناء، كان يضمن غناءه تلويناً صوتياً يخدم المعنى، فيمنح المفردة الحماسية قوة في النبر، ويهدئ من نبرته عند أداء المقاطع العاطفية الوجدانية، مما جعل صوته جسراً أميناً لنقل الرسالة الشعرية للحن.

أبدع فؤاد حجازي في أداء الأغنية العاطفية ذات البناء اللحني المتأني، وتألق في تقديم الأغاني الوطنية التي تتطلب حماساً وقوة في الأداء، كما برع في غناء الأعمال القائمة على الفلكلور والتراث الشعبي. 

وأظهر هذا التنوع مرونة صوته وقدرته على التكيف مع مختلف أشكال التلحين، سواء تلك التي اعتمدت الإيقاعات السريعة أو التي قامت على الجمل الموسيقية الطويلة الهادئة.

وتتجلى هذه المرونة الصوتية والقدرة على التلون في أرشيف غنائي ودرامي حافل بالأمثلة الدالة. ففي اللون العاطفي والوجداني، تجسد دفء حنجرته ورصانة أدائه في أعمال بارزة مثل أغنية "يا بنية ماني فرنجي"، وقصيدة "أنا المتيم"،

 إضافة إلى أغنيات "شالك يا حلوة" و"يا سمارة يا سمارة"، التي استعرض فيها مقدرة عالية على التعبير عن الشجن بأسلوب يوازن بين النبر الشامي والروح الأردنية.

أما في الأغنية الوطنية، فقد كان حضوره مبكراً وعميقاً منذ بداياته الأولى عبر شاشة واستوديوهات الإذاعة الأردنية، من خلال أعمال مثل "على الميدان يا ابن الأردن" و"منديلو وينو"، إلى جانب مشاركته في دويتو "هلا يا حبيبي باسمك" مع الفنانة جاكلين.

ولم يقتصر أثره التعبيري على الغناء الفردي، بل امتد إلى الدراما والسينما الشامية والعربية خلال عقد السبعينيات؛ إذ قدم دور البطولة الغنائية والتمثيلية في أعمال سينمائية استعراضية مثل فيلم "رحلة عذاب" وفيلم "بنات للحب" 

فضلاً عن الاسكتشات والبرامج الغنائية والدينية مع الأطفال عبر أثير الإذاعة.

تجاوزت تجربة فؤاد حجازي حدود الأداء الغنائي الفردي لتتسع وتتقاطع مع المسرح والدراما الغنائية، حيث شكلت هذه الأعمال مساحة رحبة لإبراز طاقاته التعبيرية وحضوره المسرحي. 

وأدرك حجازي مبكراً أن الصوت الغنائي في الفضاء المسرحي لا يعمل في معزل عن الفكرة الدرامية، وإنما يتحول إلى حامل أساسي للحدث والشخصية،

 فكان دخوله هذا المجال مدعوماً بتدريب صوتي وقدرة لافتة على تطويع نبرته لتناسب المتطلبات التعبيرية للنص المسرحي والتلفزيون.

وجسد في مشاركاته المسرحية نموذجاً للفنان الشامل الذي يجمع بين قوة الغناء وحضور الممثل المتمكن من أدواته. 

ففي أعمال مثل مسرحية "أنا وزوجتي والجارة" وغيرها من التجارب الاستعراضية، لم يكن الغناء مقاطع ترفيهية تفصل بين المشاهد، وإنما استحال جزءاً أصيلاً من البناء الدرامي، يساهم في تصعيد الأحداث وكشف أبعاد الشخصيات. 
 
ومنح خشبة المسرح طاقة خاصة، حيث اعتمد على وقاره الشخصي، ووضوح مخارج ألفاظه، وتنقلاته الصوتية الدقيقة وأدائه البدوي اللافت، ليعزز التواصل المباشر مع الجمهور، مميزاً بين نبرة الحديث العادي والتسامي الغنائي لحظة ذروة المشهد.

وامتد هذا الحضور إلى التلفزيون والإذاعة خلال الفترة الذهبية للإعلام الأردني والعربي، وهي المرحلة التي شهدت إنتاج أعمال درامية وفلكلورية تعتمد بكثافة على المادة الغنائية. 

وأظهر حجازي في هذه الأعمال مرونة كبيرة في التكيف مع متطلبات الكاميرا والميكروفون الإذاعي؛ فكان يطعم المشاهد التلفزيونية بأغنيات تؤسس للحالة الشعورية التي تعيشها الشخصية، مما أكسب الأعمال التي شارك فيها عمقاً فسطعت في وجدان المشاهدين.

 وأسهمت هذه المشاركات في ترسيخ صورته في الذهن الجمعي بوصفه فناناً يتجاوز دوره حدود المطرب، ليصبح صانعاً للحظة الدرامية ومساهماً في صياغة الشكل الاستعراضي الملتزم.

تأسّست تجربة فؤاد حجازي على شبكة واسعة من التعاون الإبداعي مع نخبة من الشعراء والملحنين في الأردن والمشرق العربي، وهي العلاقات التي أسهمت في صياغة هويته الفنية وترسيخ حضوره في المشهد الموسيقي العربي. 

ولم يكن حجازي مجرد مؤدٍ للجمل الملحنة والنصوص المكتوبة، وإنما شكّل طرفاً فاعلاً في المعادلة الإنتاجية، حيث أتاح لصنّاع الأغنية مساحة رحبة للاستفادة من قدرات حنجرته ونقاء خامة صوته، لتخرج تلك الشراكات بأعمال اتسمت بالنضج الفني والعمق التعبيري.
 
وأثمر تعاونه مع كبار الملحنين والشعراء الأردنيين والعرب عن تشكيل رصيد غنائي وثيق الصلة بالبيئة المحلية والوجدان الشامي. 

ونجح الملحنون في التقاط الخصائص الفريدة لصوته، فصاغوا له ألحاناً تجمع بين قوة النبرة الشامية والدفء الشجي للأغنية الأردنية، مما جعل تلك الأعمال تحمل طابعاً خاصاً يعبر عن هوية موسيقية متماسكة.
 
ويمكن التمثيل لهذا التعاون الممتد في أسماء موسيقية وشعرية تركت بصمتها على خريطة أعماله؛ فمن الأردن، كان لتعاونه مع الملحن جميل العاص ورائد الفلكلور توفيق النمري دور محوري في صياغة هويته الصوتية وتطويع خامة صوته لتلائم اللهجة المحلية،

 إلى جانب تعاونه الإذاعي مع الملحن روحي شاهين، وشعراء كبار أثروا رصيده الوطني والعاطفي مثل حيدر محمود وحسني فريز. 

ومن لبنان وسورية، اتسعت تجربته بلقاء موسيقيين صاغوا ألحاناً تناسب طاقة حنجرته الشامية، وفي مقدمتهم عفيف رضوان، وسامي الصيداوي، وعبد الفتاح سكر.

يمتد أثر فؤاد حجازي إلى الذاكرة الجمعية والمشهد الثقافي للأردن والمنطقة العربية. وأصبحت أعماله الغنائية الشهيرة، مثل "طارش ركاب" و"هلا يا عريس" وغيرها، جزءاً من الوجدان العام، تتوارثها الأجيال بوصفها تعبيراً صادقاً عن المجموعات البشرية وثقافتها المحلية. 

ويتجاوز الإرث الذي تركه حدود الأغنيات والأعمال المسرحية ليصبح جزءاً حياً من الهوية الصوتية والذاكرة الجمعية للمجتمع، فقد أثبت عبر العقود أن الالتزام بالذائقة العامة والاعتناء بالنص والشكل الموسيقي هما الطريق إلى بقاء الفنان في أفئدة الناس.

هيثم أبوزيد