تامر حسني في ألبوم "مش هتكرر"... حنين البدايات وإيقاع البوب الحديث
في موسم صيفي مزدحم بالإصدارات والمنافسة، اختار تامر حسني إعادة ترتيب خيارات حكمت تجربته في السنوات الأخيرة، فبعد فترة غلبت فيها الأغنية المنفردة على مشروعه الغنائي، يعود بألبوم من 14 أغنية، داخل إنتاج أكثر التصاقاً بالبوب الإلكتروني المعاصر.
هذه الصورة تجعل ألبوم "مش هتكرر" الذي طُرح أخيراً بالتعاون مع "وارنر ميوزك مينا" أقرب إلى مراجعة لمسيرة المغني المصري،
ويظهر ذلك بوضوح في التوزيعات التي دفعت الأغنية نحو مساحات الهاوس والسينث-بوب والكلوب ميوزك، من دون أن تتخلّى عن البنية اللحنية التي جعلت تامر واحداً من أكثر أصوات البوب جماهيرية في مصر.
منذ بداياته، ارتبط اسم تامر حسني بنمط محدّد من البوب المصري يقوم على التوازن بين الأغنية العاطفية سهلة التلقي، واللحن الذي يمكن للجمهور حفظه سريعاً، إلى جانب أداء يمنح الكلمات مساحة كبيرة من الحضور.
لكن خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الأغنية المنفردة هي الوحدة الأساسية في سوق البوب الرقمي؛ يطرح المغني أغنية، ويختبر انتشارها، ثم ينتقل إلى أخرى، بينما يتحدّد عمر العمل بقدرته على تحقيق التفاعل عبر المنصات المختلفة.
واستفاد تامر حسني نفسه من هذه الاستراتيجية في عدد من إصداراته السابقة.
لكن في ألبوم "مش هتكرر" يبدو كأنه تراجع خطوة إلى الخلف في سباق الترند، إذ يطرح المغني المصري مجموعة من الأغاني يجمعها صوت إنتاجي واحد، وتتكرر بينها ثيمات الفراق والعتاب واستعادة الذات،
بينما تتحرك التوزيعات داخل مساحة مشتركة من البوب والإلكترونيات والإيقاعات الشرقية.
وإن كان هذا لا يعني أنه تخلى عن العناصر التجارية التي صنعت نجاحه؛ بالعكس، الألحان ما زالت شديدة القابلية للحفظ، والكورسات مصممة لتعلق سريعاً في الذاكرة. لكن الفارق أن هذه العناصر أصبحت جزءاً من رؤية إنتاجية أكثر اتساقاً.
تامر حسني يحدّث معادلة البوب من دون التخلي عن هويته
موسيقياً، لا يحاول الألبوم إخفاء انتمائه إلى البوب المعاصر، فالإنتاج يعتمد على السينثسيزر والمؤثرات الرقمية والإيقاعات المستوحاة من الهاوس والسينث بوب والتكنو وملامح الكلوب ميوزك، إلى جانب حضور الإيقاعات الشرقية مثل الدربكة والرق،
ويلاحظ ادماج آلات نادرة الظهور مثل الشبابة البدوية والعود الصحراوي، في محاولة لتقديم بوب مصري قادر على استخدام لغة الإنتاج العالمية بلهجة موسيقية محلية.
وتظهر هذه الفكرة خصوصاً في القفلات والجمل القصيرة التي أدتها الآلات الإلكترونية؛ فهي مصممة لتكون سهلة الالتقاط، مثل الكورس نفسه تقريباً.
وهو أسلوب يتناسب تماماً مع طبيعة الاستماع الحالية، حيث يُمكن لمقطع موسيقي قصير أن يصبح الجزء الأكثر شهرة من الأغنية.
ومن الأمثلة على ذلك أغنية "مولعينها"، كلمات مصطفى حدوتة وألحان إيهاب عبد الوهاب، وتوزيع كوليبكس الذي صمم إيقاع المقسوم الفاصل بالأغنية ليكون أكثر حماسة من الكورس نفسه، ما جعله المقطع الأكثر تداولاً في الفيديوهات القصيرة.
كذلك أغنية "ما تيجي" (كلمات وألحان بلال سرور، وتوزيع كاي ميوزك) التي اعتمدت على إيقاع المقسوم المصري المبهج، بينما مالت الأغنية إلى الجمل الموسيقية الدائرية والقصيرة جداً التي تعاد خلف صوت تامر، ما جعل التركيبة اللحنية بأكملها سهلة الالتقاط من أوّل استماع.
وفي أغنية "بنت مين"، من ألحان عمرو مصطفى وتوزيع عادل حقي، وظّف الأخير الغيتار الإيقاعي والكمنجات والترومبيت والساكسوفون في ختام كل جملة،
ما منحها طاقة صيفية جعلتها صالحة للاستخدام في الخلفيات الصوتية على المنصات الرقمية. هذا في حين ساهمت الإلكترونيات الحاضرة بشكل ملحوظ في إعادة تقديم صوت تامر حسني نفسه، إذ منحت الإيقاعات الحديثة الأغاني طاقة حركية أكبر.
وهنا يمكن فهم المقارنات التي ظهرت أحياناً بين أسلوب المغني المصري وبعض نجوم البوب الغربي، مثل جاستن تيمبرليك، من حيث محاولة الجمع بين الغناء العاطفي والطاقة الإيقاعية.
يصعب الحديث عن ألبوم "مش هتكرر" من دون التوقف عند عمرو مصطفى؛ الملحن الذي ارتبط بمحطات مهمة في مسيرة عمرو دياب وكان حاضراً أيضاً في ألبومه الأخير "حبيتك"، ليظهر في الوقت نفسه داخل مشروع تامر حسني الجديد.
وبينما مال مصطفى في خياراته مع الهضبة إلى الاستمرار في منطق البوب الصيفي الخفيف، مستنداً إلى الإيقاعات المباشرة والنكهات المتوسطية الراقصة والمنعشة التي باتت تشكل جزءاً أصيلاً ومضموناً من مدرسته لنيل رضا المستمع؛ فضّل مع حسني الذهاب إلى مساحة أكثر عاطفية ودرامية.
لكن هذا الاختلاف لم يخفف من أجواء المنافسة بين النجمين الكبيرين، إذ بدأت قبل الاستماع إلى ألبوميهما، فالملابس الصيفية البيضاء والنظارات والوشاح الأبيض ظهرت في صور دعائية متشابهة للنجمين، وهو ما فتح المجال للمقارنات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
لماذا يبدو ألبوم "مش هتكرر" مختلفاً؟
يكمن السر في أن تامر حسني عمل على إعادة توزيع عناصر معادلته الموسيقية القديمة التي بنى بها نجوميته وتطويرها؛ فحافظ على اللحن السهل الخفيف و"الكورس" الجذاب القابل للحفظ السريع والرومانسية الدافئة التي شكلت هويته.
لكن الفارق الحاسم هذه المرة هو أن التوزيعات أصبحت أكثر حداثة وجرأة؛ فالنبرة العاطفية في الألبوم تحررت من القوالب التقليدية المستسلمة للشجن، وأصبحت أكثر استقلالاً وقوة في التعبير عن المشاعر العاطفية، بدون الوجع الاستهلاكي المعتاد.
ورغم ذلك لم ينجُ الألبوم من ملاحظات نقدية تتعلق بتفاوت مستوى الأغنيات، وبقاء بعض اختياراته داخل المنطقة الآمنة التي يعرفها جمهور المغني جيداً. ففي "ما تمشيش" مثلاً، تبدو الأولوية للإيقاع والطاقة المناسبة للأجواء الاحتفالية،
بينما تذهب "اتحامى فيا" إلى الرومانسية التقليدية التي تجعلها سهلة الاستخدام في المناسبات والحفلات، من دون أن تحمل بالضرورة إضافة واضحة إلى القالب الذي قدمه تامر في أعمال سابقة.
لذلك تبدو سهلة التلقي وملائمة لغرضها، لكنها لا تقدم بالقدر نفسه تطوراً واضحاً في لغته اللحنية أو في معالجة هذا النوع من الأغاني، فقوتها الأساسية مرتبطة بالأجواء التي تخدمها أكثر من ارتباطها ببناء لحني أو درامي قادر على حملها وحده.
من هنا يظهر التفاوت داخل "مش هتكرر"، فأغنيات مثل "يا خسارتنا" و"بنت مين" تمتلك حضوراً أكثر استقلالاً، ولا تحتاج إلى مناسبة خارجية لتبرير الاستماع إليها،
لأنها تعتمد على لحن وكلمات وحالة شعورية قادرة على جذب المستمع، حتى بعيداً عن أي مناسبة أو سياق محدد.
في المحصلة، يمكن القول إن "مش هتكرر" نجح في تقديم صورة أكثر تماسكاً للاتجاه الذي يريده تامر حسني بمرحلته الحالية، لكنه لا يخلو من تفاوت واضح بين أغنياته، فأقوى ما في الألبوم ظهر عندما تكاملت الكتابة واللحن والتوزيع،
بينما تراجعت قيمته الفنية في الأغنيات التي اعتمدت بصورة أكبر على الإيقاع أو القوالب المألوفة.
كما من الواضح أن تركز التجديد في الألبوم جاء بصورة كبيرة في التوزيع والمعالجة الصوتية، وليس في تغيير طريقة تامر في تقديم الأغنية، وإن كان في الوقت نفسه يتجاوز الألبوم مجرد إعادة إنتاج لما قدمه سابقاً.
بهذا المعنى، تبدو قيمة "مش هتكرر" في قدرته على تحقيق توازن مقبول بين هوية تامر المعروفة ومتطلبات البوب الحالي. وقد لا تكون جميع أغانيه بالقوة نفسها، ولا يقدم تجربة موسيقية شديدة المغامرة،
لكنه يوضح أن المغني المصري لا يزال قادراً على تطوير أدواته من دون التخلي عن العناصر التي صنعت نجاحه الجماهيري.
محمد السيد الطناوي