Logo

عمرو دياب في "حبيتِك"... غزل من زمن مضى

 من المحتمل أن يُشير الألبوم الذي صدر للمغنّي المصري عمرو دياب بعنوان "حبيتِك" إلى أنّ صاحبه أصبح، ربّما لتقدّمه في العمر، مغترباً عن روح العصر، أقلّه ليس في إطارها المحلي، وإنّما الإنساني والعالمي. ذلك أنّه منذ ألبوم عمرو دياب الأول "يا طريق" (1983)، مروراً بأشهر ألبوماته "نور العين" (1996)، حدثت جملة من التطوّرات، ليس فقط في شكل الأغنية الجماهيرية، وإنّما أيضاً في خطابها؛ بيد أنّه يبدو، من خلال "حبيتِك"، الألبومِ السادس والثلاثين في مسيرته الطويلة والمعطاءة، غافلاً عنها أو متجاهلاً لها.

من تلك التطوّرات، ما طرأ على مفردات الغزل الموجّه من الذكر إلى الأنثى، خصوصاً في العقدين الأخيرين، ولا سيما في أعقاب انطلاق الحراك النسوي "أنا أيضاً" (MeToo) الذي نتج عنه توسيع غير مسبوق للأطر التي يُصنَّف ضمنها السلوك الذكوري، لتشمل أنماطاً من الخطاب سبق أن عُدَّت طبيعيةً في زمن الثمانينيات والتسعينيات وما قبلها، حتى ضمن الثقافة الجماهيرية الغربية من أفلام ومسلسلات وأغانٍ.

يُقرأ المعجم المستعمل في كتابة كلمات الأغنيتين الأولى والثانية كما لو أنّه آتٍ من عهد مضى أو قاع غائر. أما الخطاب الموجّه عبرهما إلى المرأة فيتسم بكلٍّ من التعميم والاختزال؛ 

إذ ينظر إليها بوصفها فئةً لا فرداً، ما يُسهم في انحرافه عن خطّ الغزل العاطفي نحو مسار تشييئها وتحويلها إلى محض موضوعة للمتعة الحسيّة، بما يحرمها من أيّ تخصيص يمنحها شخصيةً فاعلةً ومستقلّة، سواء في قبول مشاعر الحب أم رفضها إيّاها.

في الأغنية الأولى، "لولا البنات"، من كلمات مصطفى البرنس، وعلى نبض تكنو شرقيّ الطابع، ذي إيقاع راقص مصمَّم إلكترونياً من صوت أكفٍّ تصفّق، 

تُخاطَب الفتيات بصيغة جمع الغائب على امتداد التراك، الذي يزيد طوله على ثلاث دقائق، بوصفهن متدلّعاتٍ ومتعطّراتٍ ومتبخّراتٍ، كما لو كنّ أدوات للزينة؛ 

حتى إن وجودهن يُقاس من خلال ربطه برواج الورد في الدكاكين. ثم يُشار إلى المتعة الحسيّة المنسوبة إلى "البنات" من خلال استعارات مستمدّة من أصناف الحلوى؛ 

فيُشبَّهن بغزل البنات والغُريّبة وطعم الشربات. ثم يحمل الكوبليه خلاصةً مفادها أن الدنيا صعبة من غير البنات، وأن البيت (بيت الزوجية) يضيء بحضور "ستّ البنات"، أي أجملهن بحسب السياق.
 
حتى إن الكوبليه الأخير يستعيض عن وجود البنات بما يلبسنه، ليذهب خطوةً أبعد في تشييئهن وصولاً إلى الفتشنة (Fetishization)، 

أي الافتتان الجنسي المحض، من خلال وصف الملمس الناعم لبعض الأقمشة المستخدمة في الأزياء النسائية، مثل الحرير والشيفون. وهو بهذا إنما يتبنّى خطاباً ارتبط طويلاً بالغناء الشعبي، وامتدّ لاحقاً إلى ما يُعرف في مصر بأغاني المهرجانات.

على المنوال نفسه، تُنسَج كلمات الأغنية الثانية بين تراكات الألبوم الاثني عشر، وعنوانها "الألوان"، من كلمات مصطفى حدوتة؛

 إذ يُستعان بلون الرداء ليكون ثيمةً لتناول المرأة بوصفها موضوعاً للمتعة البصرية ظاهراً، والجنسية ضمناً. هذه المرّة، وعلى إيقاع الرومبا اللاتيني، 

العلامة المميّزة لعمرو دياب في عصره الذهبي إبان عقد التسعينيات، يتناول الكوبليه الأول اللون الأحمر، ثم يشبّه المرأة بالفراولة التي يرغب الظمآن في شربها عصيراً يروي عطشه.

 وسبق توظيف استعارة العطش والارتواء في أغنية "عطشان يا صبايا" التي لحّنها بليغ حمدي من كلمات مرسي جميل عزيز، وشاركت شادية في غنائها ضمن الفيلم الكوميدي "أضواء المدينة" عام 1972.
 
اللافت أن الجوّ العام في بقيّة الأغاني، ابتداءً من "جيتلك"، من كلمات رُزام وألحان نادر نور، وانتهاءً بأغنية "اتأخّر عتابنا"، لكاتب الكلمات نفسه ومن ألحان عمرو مصطفى، يعود ليكون ديابيّاً بامتياز، 

مستحضراً إرث الفنان كما عهده جمهوره، والمتمثّل في الأغنية الرومانسية غربية الهوى، الخفيفة، ذات الكلمات الحسّاسة الرقيقة والإيقاعات اللاتينية والشرقية الرشيقة، والقريبة من ذائقة شباب المدن الكبرى المنتمين إلى الطبقة الوسطى على أعتاب الألفية الثالثة.

حينئذٍ، تميّز خطاب الحب لدى عمرو دياب بالسمة الوجدانية، وإن ظلّ سطحيّاً، مفرطاً في العاطفية، ومخصّصاً للاستهلاك الجماهيري؛

 إلا أنه توجّه إلى المحبوب بضمير المفرد المخاطب، محدّثاً إيّاه بنبرة دافئة تؤنسنه، في سياقَي المديح والعتاب على السواء. وهكذا تحوّلت أغنيته إلى نهج فنّي أثّر في مجايليه ومَن أتى من بعده.
 
ولئن مرّ إنتاج عمرو دياب بمراحل مختلفة، ابتداءً بالبوب الخفيف في الثمانينيات، إبّان تعاونه مع الفنان الليبي حميد الشاعري، 

ومروراً بالبوب المتوسطي المتأثر بموسيقى الفلامنكو، وصولاً إلى اللون الراقص الإلكتروني، فإنه حافظ خلال مشواره الفني، إلى حدّ بعيد، على الخطاب الرومانسي نفسه.

 حتى إن موقع الجزيرة لخّص الوصفة الديابية في عنوان إضاءة لعبد الله فرج على ألبوم "ابتدينا" سنة 2025: "كلمات مكرّرة وموسيقى متجدّدة ونجاح مضمون".

واللافت أيضاً حضور المرأة ضمن فريق كتّاب الإصدار الأخير الذي يحرص عمرو دياب دائماً على تنويعه فنياً وجيلياً. 

فقد جاءت كلمات "المفضّل"، الأغنية السابعة في الألبوم، بتوقيع الكاتبة الغنائية المصرية منّة القيعي. 

وإذا كانت قد استعانت بدورها بثيمة الألوان، فقد وضعتها في سياق غزل طفولي عصري وجذّاب، محمول على إيقاع المقسوم وريفات الغيتار الديابي، من دون أن يخرج عن النسق التقليدي لأغاني الفنان؛ 

إذ جعلت من المحبوبة، عبر صورة أدبية مبتكرة، تجسيداً لكلّ ما يفضّله المحب في الحياة: "إنت لوني المفضّل، وإنت يومي المفضّل، إنت رقمي المفضّل ومكاني المفضّل".

من هنا، تبقى الحيرة حيال الدافع الإنتاجي وراء إقحام أغنيتين في مستهلّ الألبوم، تفتتحانه بخطابٍ ذكوريٍّ، مغتربٍ عن معترك الحراك النسوي وعن "قوس قزح" الحقوق الجندرية،

 ينظر إلى المرأة بوصفها فئةً أو فصيلةً مخصّصة للمتعة والزينة. أيكون السبب عزلةً جيليّة عن روح العصر، أم أنّها، يا تُرى، حنكةٌ رياديّة من نجم مخضرم، تقف وراءه صناعة فنية عتيدة، 

باتت ترى في غناء المهرجانات سوقاً تتسع باطراد، وتدرك أنّ التحرّريّة في وادٍ، فيما المجتمعات الناطقة بالعربية، بشرائحها العريضة، في وادٍ آخر؟

علي موره لي 
كاتب وموسيقي سوري.