Logo

رحيل الفنان الكبير عبدالرحمن الحداد وسط حزن عمّ الساحة الفنية اليمنية

 بعد رحلة مع الغناء امتدت إلى ستة عقود، رحل الفنان اليمني عبد الرحمن الحداد في القاهرة عن 76 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فنياً كبيراً أسهم في تشكيل وجدان الأغنية اليمنية الوطنية والعاطفية، ومكانة راسخة بوصفه واحداً من أبرز روادها.

وقالت مصادر مقربة من أسرة الفنان الحداد، إن الأخير توفي في العاصمة المصرية القاهرة يوم أمس الثلاثاء، بعد معاناة مع المرض.
 
ويُعد الفنان عبدالرحمن بن عبدالله بن طاهر الحداد، من الأصوات البارزة التي تغنّت بالوطن والوحدة، وترك إرثًا فنيًا غنيًا ما يزال حاضرًا في الذاكرة الفنية اليمنية.

وُلد الحداد عام 1950 في مدينة المكلا في محافظة حضرموت، وبدأ مشواره الفني منذ ستينيات القرن الماضي، إذ لفت الأنظار مبكراً بصوته الدافئ الذي كان من أجمل الأصوات الحضرمية واليمنية، ليشق طريقه بثبات نحو النجومية ويصنع لنفسه حضوراً مميزاً في الساحة الفنية.

خلال مسيرته، قدّم الحداد أعمالاً وطنية خالدة، ارتبطت بوجدان الشعب اليمني، ويُنسب إليه تلحين النشيد الوطني اليمني الرسمي "رددي أيتها الدنيا نشيدي" الذي اعتُمد منذ قيام الوحدة اليمنية عام 1990، وهو إنجاز رسّخ اسمه في ذاكرة الوطن باعتباره واحداً من أبرز رموزه الفنية.

ومن أبرز أعماله الفنية المحفورة في ذاكرة اليمنيين والعرب بعد أن عرف بفنان المواعيد: "يا لاقي الضايعة"، و "على ميعاد"، "حرام عليك”، "ليالي الهنا"، و"ما فات مات"، و"تأجل الميعاد".
 
وفي إطار تطوير موهبته، سافر الحداد إلى العراق عام 1972 لدراسة اللغة العربية، ما أسهم في صقل قدراته الفنية، خاصة في اختيار النصوص الفصحى وتطويعها موسيقياً. لم يقتصر عطاؤه على الغناء والتلحين، بل كان أيضاً عازف عود ماهراً وإعلامياً نشطاً، ترك بصمة واضحة في إذاعة المكلا وعدد من القنوات اليمنية.
 
أقام في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية وذلك عام 1986، وكانت له العديد من الأنشطة الفنية هناك، وظل حتى عام 1989، متنقلاً بينها وبين العاصمة المصرية، مُسجلاً بصوته ألبومات غنائية عديدة متنوعة. عام 1989 

عاد إلى صنعاء، وعمل في وزارتي الثقافة والإعلام، ومذيعاً في الإذاعة والتلفزيون، قبل أن يُعيّن مستشاراً لوزارة الثقافة اليمنية بعد إعلان الوحدة اليمنية عام 1990.
 
وخلّف الراحل رصيداً فنياً زاخراً من الأغاني التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور، من بينها "ينسنس علينا" و"حرام عليك تقفل الشباك"، إلى جانب مشاركاته الفاعلة في الأوبريتات الوطنية الكبرى، التي عززت حضوره فناناً شاملاً جمع بين الإحساس الفني والالتزام الوطني.

كُرّم عبد الرحمن الحداد في اليمن والعالم العربي، بالعديد من الأوسمة والشهادات التقديرية، نظراً إلى مشواره الفني المتواصل. ومن أبرز الأوسمة التي نالها وسام الفنون والآداب من الدرجة الأولى، وهو أرفع وسام ثقافي في اليمن، وذلك عام 1989، كما نال درع الثقافة في عام 2005، وحظيَ بتكريم بضع وزارات ثقافية في بلدان الخليج.

وشكّل وفاة الفنان الحداد، صدمة في الأوساط الفنية والإعلامية اليمنية والعربية، حيث تحولت مواقع التواصل الاجتماعي لمنصة عزاء برحيل الفنان الحداد.
 
واعتبر اليمنيون، رحيله خسارة كبيرة للساحة الفنية والذاكرة اليمنية، حيث عرف بأداء الألوان الغنائية اليمنية وبشكل خاص الفن الحضرمي، حيث ارتبط اسمه فنيًا بالشاعر الكبير حسين أبوبكر المحضار، حيث شكّل الثنائي معًا تعاونًا فنيًا أثمر العديد من روائع الأغنية اليمنية.

وتعليقا على وفاة الفنان الحداد، كتب الصحفي أمين بارفيد على حسابه بمنصة فيسبوك: "رحل عبدالرحمن الحداد، الفنان والإعلامي والمثقف اليمني الكبير، الذي أحب اليمن بكل تفاصيله، وأحب تنوعه، وغنّى بكل ألوانه بحب ورقي. من المكلا إلى عدن، ومن لحج إلى صنعاء، عانق بأغنياته روح اليمن كلها، وردد بعده شمسان وعيبان وضَبضَب. غنّى الحضرمي، والصنعاني، واللحجي، والعدني، فكان فناناً لكل اليمن، لا لمنطقة، ولا لذائقة دون أخرى".
 
وأضاف: "كان رفيق اليمنيين في أسفارهم الطويلة، ودرة الاحتفالات والأعمال الوطنية، وصوت المجالس حين يحنّ الطرب، وأنيس أسمارهم ولمّاتهم. دندن بصوته في ذاكرة الناس بقراره الرخيم المتميز وجوابه العذب "جميل أنت يا وطني"، و"ولو بايقع لي مرادي بسكن في حي السلام"، و"حرام عليك تقفل الشباك"، و"يا رايحين الوطن "، و"لا تلقي لها سوم"، و"على ميعاد"، 

وغيرها من الأغنيات التي لم تكن مجرد أعمال فنية، بل محطات من أعمار الناس، وذكريات محفورة في وجدان جيل كامل، ومكتبة فنية ثرية ومتنوعة رافقت اليمنيين في أفراحهم وحنينهم ومجالسهم".

 برحيل الفنان الحداد، "لا يفقد اليمن فناناً فقط، بل يفقد قامة ثقافية وصوتاً وطنياً كبيراً عرف كيف يحمل اليمن في قلبه ويزرعه في صوته، حتى غدا جزءاً من الذاكرة الوجدانية لهذا البلد".

برحيل عبد الرحمن الحداد تفقد الساحة الفنية اليمنية قامة فنية مهمة، لكن أعماله ستظل شاهدة على مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع.