أزمة إمدادات سلع في تعز... وطمأنة حكومية رغم الحرب
تترقب أسواق محافظة تعز (جنوب غرب البلاد ) تداعيات الاشتباكات المشتعلة، وسط مخاوف من تمدد وتفاقم أزمة الإمدادات والنقل في ظل تزايد المخاطر المحيطة بالشريان الوحيد والرئيسي حالياً المتبقي، وهو منفذ "هيجة العبد" والذي تطوقه نيران الاشتباكات من مختلف الاتجاهات في محاولة كل طرف السيطرة على موقع المنفذ والطريق الرابط بين مدينة تعز وعدن.
يأتي ذلك مع خروج منفذ الساحل وميناء المخا ومنافذ أخرى عن سيطرة الحكومة اليمنية، إضافة إلى عدم تحكم المؤسسات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً بالمنفذ الشرقي المتصل بضاحية تعز منطقة الحوبان والذي أعيد فتحه قبل نحو عامين على إثر وساطات محلية، حيث كان مغلقاً منذ العام 2015.
وفي الوقت الذي تشير فيه مسارات الأحداث والمعارك المتوسعة إلى تفاقم أزمة النقل والإمدادات، ما يهدد المخزون الغذائي والتمويني، ما يدفع نحو اللجوء إلى خيارات ومسارات متباعدة ستفرض إجراءات جديدة على المستوى النقدي والتجاري ما يرفع تكاليف النقل والسلع؛
قلل مدير مكتب الصناعة والتجارة في مدينة تعز عبد الرحمن القليعة من خطورة الوضع والأحداث وتأثيرها على الوضع السلعي والتمويني، مطمئناً أن الوضع مستقر والحياة تسير بصورة طبيعية، رغم الحرب والحصار.
لكن رغم ذلك تشير الأحداث إلى تفاقم الأوضاع وتعطل الحركة التجارية والإمدادات والنقل مع انتقال المواجهات من مناطق ساحل تعز الغربي إلى مديريات ومناطقها الريفية الجنوبية والشرقية، والتي تزامنت مع ارتفاع تكاليف النقل للبضائع وللأفراد،
إذ زادت أسعار بعض السلع والخدمات الضرورية بنسب تصل إلى 200%، بحسب تقديرات اقتصاديين في تعز تحدثوا إلى "العربي الجديد".
حركة نقل محفوفة بالمخاطر
عن تلك التطورات يقول الباحث الاقتصادي في تعز عيبان السامعي إن الحوثيين يحاولون قطع طريق هيجة العبد، وهو الطريق الحيوي والشريان الرئيسي الذي يربط محافظة تعز بمحافظتي لحج وعدن.
علماً بأن الحوثيين قاموا فجر يوم الجمعة بالتسلل إلى الطريق وتفجير عبارة (مصرف سيول) فيها، مما أدى إلى قطعها، وتسبب ذلك بأزمة خانقة في حركة تنقل المسافرين والبضائع.
وسبق ذلك، بحوالي ثلاثة أسابيع، قيام الحوثيين بقصف الطريق بصواريخ من مواقع تمركزهم في جبال الأكبوش بعزلة الأحكوم التابعة لمديرية حيفان، وفق السامعي،
مشيراً إلى أن هذه التطورات تجعل من حركة المركبات محفوفة بالمخاطر الجدية، ويترتب عليها تبعات سلبية على المستوى الاقتصادي والإنساني.
ويشرح السامعي أن الكلفة الاقتصادية للحرب والحصار كبيرة، ويتكبدها المواطنون على مدى 11 عاماً، ومن ذلك ارتفاع كلفة النقل، فمعظم الطرق الرئيسية بين مدينة تعز والمحافظات الأخرى مقطوعة أو تتعرض لتقييد،
وبالتالي تفضل شركات الاستيراد والتجار استخدام طرق بديلة، تجنباً للابتزاز المالي والجبايات الباهظة التي يفرضها الحوثيون وبعض الجماعات المسلحة الأخرى على مركبات نقل السلع والبضائع، وهذه الطرق البديلة غالباً ما تكون طويلة، وأكثر وعورةً وخطورة، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بشكل كبير،
بينما يكون المستهلك في الأخير هو من يتجرع هذه الارتفاعات العالية، ولا سيما في أسعار المواد الغذائية والأدوية وبعض المواد والسلع الأخرى وفق السامعي.
زيادة معاناة المواطنين
نقطة أخرى يتحدث عنها أستاذ الاقتصاد بجامعة تعز محمد علي قحطان أن المواجهات المسلحة التي انطلقت من الشريط الساحلي للمحافظة أدت إلى شلل تام للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعيشها مديريات الشريط الساحلي الغربي لتعز، وبالأخص مدينة المخا.
إذ توقفت حركة الاستيراد والتصدير في الميناء، وتراجعت أنشطة الصيادين وكذا النشاط المصرفي.
ومع تجدد هجمات الحوثيين وتوسع جغرافية المواجهات المسلحة لتشمل كل مديريات أرياف محافظة تعز الغربية والجنوبية والشرقية وكل المناطق المحيطة بمدينة تعز، كما يوضح قحطان، زادت معاناة المواطنين وارتفعت أسعار السلع والخدمات بنسب كبيرة تراوح بين 50 - 200%، خاصة للسلع والخدمات الضرورية.
وتسبِّب الحرب والحصار تأثيرات كارثية على النشاط التجاري، فقطع الطرق الرئيسية أو فرض قيود على حركة تنقل البضائع والسلع، يسبب تأخراً في إمداد السوق المحلي بالسلع، وتراجع حركة البيع والشراء، وزيادة المخاطر على التجار، وارتفاع تكاليف التأمين التجاري، وقد يسبب خسائر كبيرة للشركات والمستوردين وتجار الجملة والتجزئة، وفق قحطان.
ويعتبر طريق هيجة العبد الشريان الرئيسي الوحيد حالياً الذي من خلاله تتزود مدينة تعز بالمواد الغذائية والأدوية والوقود والسلع الاستهلاكية، والمنفذ الذي يربط تعز بمحافظتي لحج وعدن، وهو عبارة عن منحدر جبلي متعرج طويل وضيق، وغير مصمم لاستيعاب حركة شاحنات كبيرة وكثيفة،
ورغم ذلك يمثل "خيار الضرورة"، بحسب توصيف الباحث الاقتصادي عبيان السامعي، أمام السكان لاستخدامه لنقل البضائع والسلع وتنقل المسافرين، فلا يوجد بديل عنه.
وستؤدي المخاوف من إغلاق الطريق إلى اضطراب في حركة السوق، ما قد يدفع التجار إلى تخزين السلع، تحسباً لنقص الإمداد التجاري أو حدوث أي طارئ لاحقاً، وعندها يبدأ السوق بالاستجابة لهذه المخاوف قبل حدوث النقص الفعلي في الإمداد التجاري، وفق الخبير الاقتصادي.
الإمدادات رهينة الانقسام
وسبَّب الحصار المفروض على سكان تعز تفاقم الأزمات المعيشية، نظراً إلى التقسيم الجغرافي بفعل انقسام السيطرة في المحافظة بين مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين تتمركز في منطقة الحوبان حيث تفرض الجماعة هيمنتها والأنظمة والسياسات والإجراءات التي تتبعها على كل المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وأخرى خاضعة للسلطة المعترف بها دولياً التي تتخذ من عدن عاصمة مؤقتة لها، وهي تعاني الكثير من الاختلالات والقصور في تأدية مهامها، تؤثر كثيراً على حياة السكان.
وبحسب قحطان فإن كل ذلك يكلف سكان المحافظة والوافدين إليها الكثير من المعاناة الإنسانية، إذ إن سلاسل الإمداد والتبادل التجاري والتنقلات بين مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية والأخرى الواقعة تحت سيطرة الحوثيين تخضع لقيود في الحركة وفي انقسام بالعملة الوطنية بفعل اختلاف سعر صرف الريال اليمني بطبعتيه القديمة المتداولة في مناطق سيطرة الحوثيين والأخرى الجديدة المتداولة في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً.
محمد راجح