ثروات المنطقة أولاً... والسياسة واجهة صراع
ليس ضرورياً أن تُرفع أعلام الاستعمار فوق القلاع حتى نقول إن الاستعمار عاد.
ففي القرن الحادي والعشرين هو لا يحتاج إلى جيوش تحتل العواصم بقدر حاجته إلى دول منهكة تابعة واقتصادات مستنزفة ومجتمعات تعيش على إيقاع الحروب والخوف.
وما يجري اليوم في الشرق الأوسط يبدو أقرب إلى هذا النموذج، إذ تتبدل الأسماء والشعارات، لكن النتيجة واحدة مفادها أن المنطقة تخسر ثروات شعوبها فيما تتسع هوامش نفوذ القوى الكبرى، وتحديداً الولايات المتحدة.
فمن الخليج إلى العراق وإيران، مروراً بفلسطين وسورية ولبنان واليمن، حتى وصولاً إلى السودان وليبيا، لا يكاد بلد ينجو من دائرة الاستنزاف.
فقد تختلف ساحات القتال وتتعدد الذرائع وتتبدل التحالفات، بيد أن الحصيلة النهائية واحدة، وهي تآكل الثروات وهروب الاستثمارات واستنزاف الموارد وتراجع فرص التنمية واضمحلال قدرة الدول على رسم سياساتها باستقلالية.
حين يُغلق مضيق هرمز أو يُهدد بالإغلاق، يُقال إن العالم كله يدفع الثمن، وهذا صحيح إلى حد بعيد. لكن الحقيقة المؤكدة هي أن الضحية الأولى ليست أوروبا ولا الولايات المتحدة ولا شرق آسيا، بل دول المنطقة نفسها.
فهي التي تعتمد على هذا الشريان لتصدير نفطها وغازها في إطار سلاسل إمداد تضمن وارداتها أيضاً من المواد الأولية والسلع الاستهلاكية والغذائية،
وهي التي تتلقى الضربة الأولى عندما ترتفع كلفة التأمين وتتراجع حركة التجارة وتتقلص الاستثمارات وتزداد المخاطر الاقتصادية. أما الاقتصاد العالمي، فرغم تأثره، يمتلك بدائل وأدوات وقدرات على امتصاص الصدمات أكثر مما تمتلكه اقتصادات المنطقة.
والمفارقة أن المنطقة التي تمتلك أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم ويفترض أن تتحكم في أهم الممرات البحرية وتختزن ثروات معدنية ومائية هائلة وتقع عند تقاطع ثلاث قارات وتملك كتلة بشرية شابة قادرة على صناعة نهضة اقتصادية كبرى،
تتحوّل تدريجاً إلى ساحة استنزاف دائم. فبدل أن تكون ثروات بمثابة مصدر قوة، أصبحت سبباً في احتدام الصراع عليها، وبدل أن يكون الموقع الجغرافي بوابة للتكامل الاقتصادي، أصبح خط تماس دائم بين مشاريع النفوذ الدولية.
في السياسة، كلما ضعفت الدول الإقليمية، ازدادت حاجتها إلى القوى الخارجية. وكلما ارتفع منسوب الفوضى، اتسعت مساحة التدخل الأجنبي.
وعندما تصبح الجيوش المحلية منهمكة في الحروب والخزائن العامة مثقلة بالنفقات العسكرية والمجتمعات منشغلة بتأمين لقمة العيش، تتراجع الأولوية لبناء الاقتصاد والعلم والبحث والتكنولوجيا، ويصبح القرار الوطني أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية.
من هذه الزاوية، يتبين أن ما يحدث يخدم، موضوعياً، مشروعاً يعيد ترسيخ الهيمنة على المنطقة، ليس عبر الاحتلال المباشر بالضرورة، بل عبر التحكم في ميزان القوى وسلاح العقوبات ومصادر الطاقة والممرات الاستراتيجية وبإيقاع الأزمات نفسها.
فالدول المنهكة لا تفاوض من موقع القوة، والاقتصاد المتعثر لا يمتلك رفاهية الاستقلال السياسي، والبلدان التي تستنزف مواردها في الحروب تفتح، طوعاً أو كرهاً، أبوابها أمام الوصاية بأشكالها المختلفة.
ولا شك في أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تمثل الحلقة الأكثر تعقيداً في هذا المشهد.
فالمعطيات الحالية لا تشير إلى قدرة واشنطن على فرض هيمنة كاملة على طهران بسبب تشابك التوازنات الدولية والإقليمية ووجود قوى كبرى لن تقبل بسهولة بانفراد واشنطن بإدارة واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
غير أن عدم تحقق هذا السيناريو لا يعني غياب المكاسب. فمجرد استمرار الاستنزاف يحقق أهدافاً استراتيجية لا تقل أهمية عن الحسم العسكري، لأنه يُبقي اقتصاد المنطقة في حالة إنهاك دائم.
حيدر عبدالله الحسيني
أستاذ جامعي في علوم الإعلام والاتصال