Logo

سلطنة عُمان توطّن صناعات كهربائية لتقليل الاستيراد

 تسعى سلطنة عُمان عبر مبادرة "وطِّنها" لتحويل جزء من الطلب المحلي على المكونات الكهربائية من الخارج إلى الإنتاج الداخلي، في خطوة تتصل بأمن الإمدادات في سوق شديد الحساسية للتقلبات البحرية والجيوسياسية، 

وتقوم حسب ما أعلنته شركة فولتامب للطاقة في بيان رسمي على توطين إنتاج 10 مكونات عالية الطلب وإنشاء مصانع محلية جديدة بالشراكة مع جهات تنظيمية وداعمة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة،

 بما يرفع المحتوى المحلي ويقلل الحاجة إلى الاستيراد في سلع تدخل في البنية التحتية الكهربائية والمشروعات الصناعية.

تبرز أهمية هذه الخطوة في ظل ما شهدته حركة الشحن عبر مضيق هرمز من اضطراب واسع خلال الأشهر الماضية، وهو اضطراب امتد إلى سلاسل التوريد الصناعية والتأمين والنقل البحري، 

ما دفع مستوردين في الخليج إلى البحث عن مسارات بديلة لتأمين السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، حسب محللين. 

في هذا السياق، بات توطين المكونات الكهربائية وسيلة مباشرة لامتصاص الصدمة، إذ كل قطعة تُصنع داخل السلطنة تعني تقليصاً لحساسية السوق المحلية تجاه تأخر الشحنات، وارتفاع كلفة النقل، ومخاطر التأمين المرتبطة بالممرات البحرية، 

كذلك إن وجود إنتاج محلي للمحولات والمكونات المرتبطة بالشبكات الكهربائية يتيح استمرار المشاريع دون توقف طويل، خصوصاً في قطاعات الطاقة والمياه والبنية الأساسية، التي ترتبط في الغالب بسلاسل توريد عالمية تمر عبر ممرات قد تتعطل في أي لحظة، حسبما أورد تقرير نشرته "ستاندرد آند بورز" في 24 مارس/ آذار الماضي.
 
ويشير التقدير ذاته إلى أن الأزمة في هرمز أعادت ترتيب أولويات الشركات والحكومات نحو المرونة الصناعية، لا مجرد خفض التكاليف، 

فالحرب في المنطقة دفعت أطرافًا عديدة إلى إعادة تقييم استراتيجيات الإمداد والأمن الصناعي، بعدما تضررت تدفقات النفط والمنتجات البتروكيماوية والمواد الأولية المرتبطة بها، 

وفي حالة عُمان تترجم مبادرة "وطنها" هذا التوجه عملياً عبر بناء قاعدة تصنيع محلية يمكن أن تخدم السوق الداخلية وتوفر هامش أمان أعلى إذا تعطلت الواردات أو تأخرت. 

وبذلك تكون المبادرة العمانية بمثابة مشروع يربط الصناعة بالأمن الاقتصادي، وليست مجرد مبادرة توسع إنتاجي، باعتبارها معالجة لنقطة ضعف واضحة كشفتها أزمة هرمز، 

وهي الاعتماد على الإمداد الخارجي في مكونات حيوية، الذي يمكن أن يتحول بسرعة إلى عبء على السوق إذا توقفت السفن أو ارتفعت المخاطر في البحر، وفقاً لما أورده تقرير نشرته "ذا إيكونوميست"، في 10 إبريل/ نيسان الماضي.

عملية تراكمية

في هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي العُماني، خلفان الطوقي، لـ"العربي الجديد"، أن رحلة توطين الصناعات في السلطنة عملية تراكمية تحقق فيها عناصر إضافية مع كل فترة زمنية،

 وقد ساهمت هذه الجهود في تجنب العديد من الإشكاليات الاقتصادية وفتحت آفاقاً أوسع للاستثمار، وأدت إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد في بعض المنتجات.

ويبرز التوجه الحكومي العماني نحو تعزيز المحتوى المحلي من خلال توجيه المشتريات قدر الإمكان لتكون من داخل السلطنة أو تحمل شعار "صنع في عمان"، حيث تعمل هيئة المناقصات والمشاريع والمحتوى المحلي بالتنسيق مع المديريات المعنية لتحقيق اندماج فعال يصب في مصلحة الاقتصاد الوطني والصناعات المحلية، حسب الطوقي،

 الذي يرى أن وجود هيئة متخصصة بالمحتوى المحلي يعكس وعياً عميقاً بأهمية تقليل الواردات وزيادة الصادرات لضمان توازن أو فائض في الميزان التجاري.
 
غير أن تجسُّد ثقافة المحتوى المحلي نهجاً استراتيجياً لا يتحقق بين ليلة وضحاها، وفق الطوقي، لافتاً إلى أن مجرد إدراج اسم "المحتوى المحلي" ضمن هيكل هيئة المناقصات والمشاريع هو إنجاز في حد ذاته، إذ نُقلت هذه الثقافة إلى الشركات الحكومية وشبه الحكومية التي أصبحت ملتزمة بقائمة إلزامية تمنح الأولوية للشراء من المنتجين المحليين،

 وقد توسعت هذه القائمة لتشمل حالياً ما يقارب 500 إلى 600 سلعة بعد أن كانت تقتصر سابقاً على حوالى 312 سلعة، ما يدل على التقدم المطرد في المرحلة الثالثة من هذا التوجه.

 ويتوقع الطوقي أن تمتد هذه الممارسات الإيجابية لتشمل لاحقاً الشركات الخاصة والشركات المساهمة العامة المدرجة في بورصة مسقط، حيث تُحقَّق أهداف ومستهدفات إضافية بشكل دوري يتناسب مع التوجه الوطني العام، ما يدعم سير عُمان نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي وتنويع القاعدة الإنتاجية، ويعزز من مرونة الاقتصاد وقدرته على مواجهة التحديات الخارجية.

ضرورة قصوى

في السياق، يرى العضو المنتدب في شركة "ألفاريز آند مارسال" (Alvarez & Marsal) العالمية للاستشارات الإدارية، أنجيلو كاريلا، أن استمرار انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز يحوّل أزمة الطاقة إلى "أزمة اقتصادية عالمية" خانقة، ما يجعل من مشاريع توطين المكونات الكهربائية والشبكات ضرورة قصوى لتحصين الأمن القومي واللوجستي والحد من الارتهان للواردات الخارجية التي تعطلت كلياً، حسبما أورد تقدير نشره موقع المؤسسة في 15 مايو/ أيار الماضي. 

وقدم كاريلا رؤية تحليلية متكاملة حول أهمية توطين الصناعات الحيوية في دول الخليج، بما فيها سلطنة عُمان، باعتبارها أداة حتمية لمواجهة الصدمات الناتجة من إغلاق مضيق هرمز، 

مشيراً إلى أن بناء منظومة صناعية وطنية مرنة يساهم مباشرةً في تفكيك الارتهان للواردات الخارجية عبر تأسيس سلاسل توريد محلية متكاملة لقطاعات استراتيجية مثل الطاقة والمكونات الكهربائية، ويحمي الأسواق من الانقطاعات المفاجئة الناتجة من الاضطرابات الملاحية وارتفاع رسوم الشحن والتأمين في أوقات الأزمات الجيوسياسية.

 وفي تقييمه لأهمية مثل هذه المشروعات التوطينية، يؤكد كاريلا أن النجاح الحقيقي والاستدامة الاقتصادية لهذه الجهود لا يقاسان فقط بـ"سرعة تشييد المصانع" أو ضخ الرساميل، بل بمدى "عمق القدرات الهندسية، وحيازة سلطة التصميم، وبناء قدرات ابتكارية محلية"،

 ويرى أن عملية التوطين تمر بمراحل تمكن الدول من تطوير قدرات فحص واعتماد مستقلة، والقدرة على تصميم خطوط الإنتاج وبنائها محلياً لتجاوز عقبات التوريد العالمية.