إشكالية إنشاء صندوق لعائدات النفط اليمني
أعادت الحرب والتوترات في المنطقة وأزمة إغلاق مضيق هرمز وتبعاتها في النقل والشحن البحري وارتفاع أسعار النفط، مقترح إنشاء صندوق لإدارة عائدات النفط إلى الواجهة في اليمن،
إذ تعاني البلاد من أزمة مالية عميقة، وتهاوي الإيرادات العامة، إضافة إلى مشكلة كبيرة في الإمدادات، والتي بدأت تنعكس على الأسواق والمخزون التمويني والوقود، والرواتب والخدمات العامة مثل الكهرباء.
وفي ظل الاعتماد الكلي على الدعم السعودي، تسود مخاوف واسعة في اليمن من تراجع هذا الدعم بسبب تبعات الحرب وإغلاق هرمز وإنتاج وتصدير النفط،
إذ لعب هذا الدعم دوراً كبيراً خلال الفترة الماضية في تشغيل أكثر من 70 محطة كهربائية، وفي تمويل مشاريع تنموية وخدمية، وفي دعم صرف رواتب الموظفين الحكوميين، وتغطية العجز في الموازنة العامة.
هذا الأمر دفع معنيين وخبراء اقتصاد، لإطلاق اقتراح عبر "العربي الجديد"، لإنشاء صندوق سيادي لعائدات النفط المرتفعة،
وهو مقترح شامل ومحددّ بمحاور عديدة تقتضي التوافق لتنفيذه بين الحكومة المعترف بها دولياً والحوثيين الذي يمنعون تصدير النفط منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2022.
في السياق، يقول يوسف شمسان المقطري الخبير اليمني البارز في اقتصاد الحرب والتعافي بعد الصراع، إنّ هناك متغيرات فرضت نفسها بسبب حرب إيران وما رافقها من توترات وأزمات،
إذ كانت تأثيراتها قاسية ومباشرة على اليمن والإمدادات وأهم القطاعات الاقتصادية كالطاقة، الذي توقف فيه الاستثمار تماماً، ويعاني من مشاكل فنية وعدم توافق سياسي داخلي.
ويؤكد المقطري أنّ الوقت قد حان لإنشاء صندوق سيادي لعائدات النفط المرتفعة، والاستفادة من أموال التصدير عند إحلال السلام لعملية سداد الديون الداخلية والتعجيل بالتعافي، وإدارة العائدات في التعامل مع الالتزامات المالية والغذائية والإنسانية والخدمة الطارئة في البلاد،
مشيراً أيضاً إلى نقطة مهمة يرى عدم إغفالها، وتتمثل في كون اليمن مستورداً للطاقة الجاهزة عبر دول الخليج،
لذا فإنّ أيّ اضطراب في سلاسل التوريد يرفع الفاتورة مباشرةً، ويؤثر على بقية السلع والخدمات فكل زيادة قدرها عشرة دولارات في تكاليف الطاقة تزيد التضخم بنسبة 0.4%.
ويشرح أنّ "الموارد في الدولة الهشة هي وقود للصراع"، لذا كنا قد حذرنا سابقاً من أن "استئناف التصدير سيؤدي لصراع فصائلي"،
أما الرؤية التالية في هذا المقترح تقدم الحل: "فالتصدير المشروط بالحوكمة الدولية" عبر الصندوق يشكل آلية "لعزل الوقود عن النار. ما يمنع الفصائل من استغلال المال مباشرة". وهو بمثابة "الفرصة الأخيرة" للأطراف لإنقاذ اليمن والحفاظ على سلطتهم.
وكشف حجج الأطراف في وقف الإنتاج والتصدير معاً، فقد استغلت الحكومة في عدن "الشماعة الحوثية" بحسب شمسان، لتبرير عجزها واستغل الحوثي شماعة تبديد الموارد والفساد لمنع التصدير.
إلّا أن المستشار الاقتصادي برئاسة الجمهورية في اليمن فارس النجار يقول إنّ "خريطة الطريق في ما يتعلق بالمسار الاقتصادي واضحة،
ولم تنص في أي بند منها على أنّ يكون هناك صندوق للعائدات يدار على نحوٍ مشترك، لأنّ ذلك يساوي وفق النجار بين الحكومة الشرعية وبين المليشيات التي انقلبت على السلطة.
فمسار خريطة الطريق في ما يتعلق بالجانب الاقتصادي، هو عودة صادرات النفط مع ضمان دفع الأجور والمرتبات لجميع الموظفين في أنحاء الجمهورية اليمنية، وفقاً لكشوفات الخدمة المدنية للعام 2014،
إذ كانت هنا نقطة الخلاف كما يوضح النجار، لأنّ الحوثيين كانوا يريدون اعتماد كشوفات جديدة خضعت لتغيير وتبديل جزء كبير من الموظفين بقطاع الدولة والعسكري،
أضف إلى ذلك رفضهم استخدام الإيرادات التي يحصلون عليها، سواءً كانت إيرادات الضرائب أو الجمارك والاتصالات أو ميناء الحديدة، لدفع أي أجور ومرتبات، خلافاً لما جرى الاتفاق عليه سابقاً في ما يتعلق بميناء الحديدة.
ويكشف النجار عن انفتاح الحكومة الشرعية حول ما يتعلق بتنفيذ خريطة الطريق في الجانب الاقتصادي، لكن ليس الذي ينتقص من سيادة وشرعية الدولة.
بينما إذا كان الهدف هو عودة صادرات النفط والغاز لتغطية عجز موازنة الدولة في دفع الأجور والمرتبات، فذلك أمر إيجابي،
غير أنّ الحديث عن إدارة مشتركة لصندوق هذه العائدات دون أي اعتبار للإيرادات التي يتحصل عليها الحوثيون، والتي يقدرها النجار بنحو 4.5 مليارات دولار أكبر من العائدات التي تحصل عليها الحكومة الشرعية؛ يصبح إجراءً مجحفاً بحق الدولة.
ويشددّ على أنّ عودة تصدير النفط والغاز خطوة مهمة للغاية، وتشكيل فريق قانوني لإعادة صياغة الاتفاقيات مع الشركات العاملة في قطاع بلحاف لتصدير الغاز، بهدف إعادة النظر في أسعار التصدير، بناءً على التغيرات التي طرأت في السوق العالمية.
ويعتبر أن الطفرة الكبيرة في أسعار النفط والغاز، مع العجز الكبير في موازنة الدولة فرصة حقيقية تمكن البلاد من الحصول على إيرادات لمساعدة الحكومة الشرعية في الالتزام بنفقاتها التشغيلية، وفي انتظام دفع الأجور والمرتبات، وتحقيق دخل من النقد الأجنبي،
والذي سيساهم في استقرار أسعار الصرف والسلع والخدمات، فهذا جهد محمود عامّة، ما دام سينتج عنه دفع الأجور والمرتبات للموظفين في جميع مناطق اليمن، بما فيها الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
ويوضح الخبير في اقتصاد الحرب والتعافي بعد الصراع يوسف شمسان في تصريحه أنّ اليمن يقع في منطقة "الوفرة النسبية" للموارد الهيدروكربونية،
إذ شكلت نسبة معنوية من الناتج المحلي الإجمالي، وتغيّرت بحسب الكمية والسعر وفي المتوسط بلغ (20%) و(90%) من الصادرات، و(70%) من الموارد العامة، دون أن تصل إلى حد "الوفرة المطلقة" التي تسمح بشراء السلام الاجتماعي، أو "الندرة" التي ترفع كلفة الصراع.
ويؤكد المقطري على أنّ وقف التصدير جنّب "الشرعية" صراعاً داخلياً، لكنه الآن استنفد مفعوله والاستمرار يساوي الموت البطيء،
لذلك يُعد الصندوق السيادي النموذج المثالي لتحويل الموارد السيادية من أداة للاستهلاك الجاري إلى رافعة للاستقرار المستقبلي. ويتحدث عن معوقات هيكلية لا تزال قائمة، بل تعقدت بسبب "الاعتياد على الأزمة"،
وذلك لعدة أسباب؛ أهمها استقرار شبكات ريع البدائل، التي تستفيد من توقف التصدير، فالحوثيون يجنون قرابة 2 مليار دولار سنوياً من هبات وريع النفط والغاز المستورد.
وكذلك الحكومة التي تتغذى على شبكات نهب النفط الداخلي وعقود الريع النفطي المشوبة بالفساد. غير أنّ هناك مشاكل نمت وتضخمت نتيجة تآكل قدرة الدولة المؤسسية لصالح الفصائل، وتهالك البنية الإنتاجية الذي يتطلب تدخلاً عاجلاً، فذلك قد دفع لتنمية الضغط الشعبي المطالب بالخدمات، والمحرك الذي يمكن أن يجبر الأطراف المتصارعة على القبول بهذا الصندوق السيادي.
كما أن طفرة الأسعار وفق حديث المقطري حوّلت الصندوق من "فكرة تنموية" إلى "ضرورة إنقاذ عاجلة، فاليمن يخسر 70% من موارده بسبب توقف التصدير، والأهم كما يتوقع المقطري أنّ الدعم السعودي يتراجع وهو "مرهون بإصلاحات" تعجز الحكومة عن القيام بها،
في حين؛ فإنّ الحصار وإغلاق مضيق هرمز يطوقان سلطة صنعاء ويشدّان الخناق على وارداتها النفطية، وحرب المضائق رفعت كلفة الشحن والتأمين، وزيادة سوء التغذية والفقر، إضافة إلى الأزمة المتوقعة في الدعم والمساعدات التي ترتبط بحجم الضرر الذي قد يصيب الشركاء في المنطقة، ويعكس نفسه على حجم المساعدات المقدمة لليمن. بينما تبقى طفرة النفط بحسب المقطري هي المصدر الوحيد المتبقي للتمويل غير التضخمي.
فكل عشرة دولار زيادة بالبرميل توفر قرابة ربع مليار دولار سنوياً فارق تصدير ما بين (60-80) ألف برميل يومياً، وهو الحد المتاح في حالة إصلاح أولي للبنية الإنتاجية السريعة، ما يرفع حصيلة الصادرات إلى قرابة (1.7-2.6) مليار دولار سنوياً، وتحقيق وفرة تقدر بـ2 مليار دولار من إعادة تكرار النفط وتحقيق الاكتفاء وتشغيل الطاقة من الغاز المحلي بدل تصديره من غير جدوى اقتصادية نتيجة عقود الفساد.
محمد راجح