Logo

أمن طرق الإمدادات وتغيير قواعد اللعبة في سوق النفط والغاز

 إن تهديد طرق الإمدادات يجعل الإنتاج عديم القيمة في الحالات القصوى، ويتسبب في تخفيض القدرة التنافسية للإمدادات من الدول الأقل أمنا. 

هذا يعني خسارة مزدوجة لكل من المنتجين والمستهلكين على السواء، ما يتطلب العمل على إعادة بناء طرق الإمدادات بما يوفر الأمن الكافي لتدفقها بسهولة بين الطرفين. 

وقد بادرت المملكة السعودية بتشغيل خط أنابيب الشرق – الغرب بطاقته القصوى من الظهران إلى ينبع، حيث تجد ناقلات النفط مسارات عبر البحر الأحمر، جنوبا عن طريق مضيق باب المندب إلى المحيط الهندي وآسيا حيث أهم أسواق الاستهلاك في العالم، أو شمالا عن طريق قناة السويس إلى البحر المتوسط، حيث أسواق الاستهلاك في أوروبا.

 في الوقت نفسه عادت إلى الواجهة مشروعات مقترحة أو قيد التنفيذ لنقل النفط والغاز من الخليج إلى أسواق الاستهلاك.

 ومن الملاحظ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قفز إلى الحلبة بمشروع لإنشاء خط أنابيب من الظهران إلى عسقلان في محاولة لجعل إسرائيل هي عنق الزجاجة الاستراتيجي للممر النفطي الجديد وتأكيد سيطرتها على ثروة العرب الأولى. 

وهكذا فإن العمل على رسم خريطة جديدة لطرق إمدادات الطاقة بين الخليج والعالم بعد حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز مؤقتا يؤكد أن تداعيات الحرب ستشمل مجالات لم تكن في الحسبان، 

وأن هذه التداعيات طويلة الأجل، قد تترتب عليها نتائج تؤثر في معادلة العرض، وإجراءات تتعلق بإدارة الاحتياطي التجاري، وتغيرات في مواقع بعض الدول من خريطة الإمدادات طبقا لأهمية موقعها، خصوصا مصر وتركيا وإسرائيل، بما في ذلك سباق للمنافسة على تعظيم الفوائد وتجنب الخسائر. 

إضافة إلى ذلك فإن سياسة التسعير وآليات المعاملات في السوق سوف تتأثر إلى حد كبير، لسنوات قادمة، ما يذكرنا بالتداعيات التي أعقبت الصدمة النفطية الأولى في عام 1973.

لم يعد أمن الطاقة يرتبط فقط بالعلاقة بين متغيرات العرض والطلب وإقامة التوازن بينهما، لكنه أصبح يرتبط أيضا بأمن طرق الإمدادات وقابلية وصول الإنتاج المستخرج من الحقول إلى أسواق الاستهلاك. 

هذا يعني عمليا إضافة طرف جديد إلى معادلة التسعير في السوق، حيث ترتفع في أوقات الأزمات والتقلبات الجيوسياسية تكلفة وصول النفط أو الغاز من مناطق الإنتاج إلى أسواق الاستهلاك حول العالم وإلى الدول الصناعية المستهلكة على وجه الخصوص. 

ومن شأن تغيير قواعد اللعبة في السوق زيادة الطلب على النفط والغاز الأسهل وصولا عبر طرق امدادات آمنة إلى أسواق الاستهلاك، 

ما يعني حصول الدول التي تتمتع بطرق إمدادات أكثر أمنا على علاوة ضمنية في عائدات التصدير، بسبب إعادة تقدير حساب التكلفة التي لا تقتصر على تكاليف الإنتاج فقط، وإنما تشمل أيضا تكلفة وصول الإمدادات إلى أسواق المستهلكين. 

وقد يؤدي تغيير قواعد حساب التكلفة على المدى الطويل إلى حدوث تحول في الطلب demand diversion لمصلحة الدول ذات الإمدادات الأسهل وصولا والأكثر أمنا على حساب الدول التي تفتقر إلى أمن الإمدادات. 

وتشمل التكلفة الإضافية التي تؤثر على التسعير تكلفة التحول إلى طرق إمدادات بديلة أطول وأكثر استهلاكا للوقود، وتكلفة حماية طرق الإمدادات البديلة، وتكلفة التأمين، وتكلفة التغير في احتياجات الناقلات للعمالة (وقت العمل) بسبب التغير في طول طرق الإمدادات.

 كذلك فإن التحول إلى طرق إمدادات أقصر أو أكثر أمنا يمنح الدول المضيفة أو المالكة لهذه الطرق مزايا مقارنة بسبب الموقع أو القرب من أسواق الاستهلاك.

ويفرض إعادة رسم خريطة طرق الإمدادات أن تأخذ الدول المعنية المنتجة والمستهلكة والمضيفة للطرق، في اعتبارها مبدأ التعددية والتنوع في طرق الإمدادات ما يعني ضرورة وجود طرق رئيسية وأخرى بديلة في كل الأوقات بالبر عن طريق الأنابيب والصهاريج بالسكك الحديد أو الطرق، والبحرية بالناقلات والأنابيب. 

ومن ثم فإن النظرة إلى التنوع يجب أن تكون نظرة إيجابية تكاملية وتعويضية بدلا من اعتبار التنوع مسألة منافسة صفرية تحقق مصلحة طرف واحد على حساب الطرف الثاني. 

وعند اختيار مسارات بديلة فإن الدول المعنية يجب أن تأخذ في اعتبارها عوامل القرب الجغرافي من مراكز الإنتاج والاستهلاك، والأمن الجيوسياسي بالبعد عن الأماكن الأكثر اضطرابا.

 وإذا نظرنا إلى خريطة الإنتاج والاستهلاك على جانبي الخليج، فإن هناك ثلاث دول تتمتع أكثر من غيرها بالمزايا النسبية الموقع، والمزايا التنافسية مثل أنظمة وخبرات إدارة منظومات النقل والتأمين عبر الحدود البرية والبحرية، هي مصر وتركيا وإسرائيل. 

ومن المتوقع أن تكون هناك منافسة بين الدول الثلاث للحصول على أكبر قطعة من كعكة خريطة إعادة رسم خريطة الإمدادات.

الدور الحيوي لمرافق التخزين

يتطلب إعادة رسم خطوط إمدادات الطاقة بين منطقة الخليج والعالم إعادة النظر في دور مرافق التخزين التجاري للنفط والغاز. 

ومن المعروف أن الشركات الأكثر استهلاكا للطاقة في العالم مثل شركات إنتاج الكهرباء وشركات تكرير النفط الخام تلجأ إلى بناء مرافق للتخزين التجاري للنفط والغاز لتجنب الآثار الموسمية على اتجاهات الأسعار، 

حيث تشتري احتياجاتها عندما تكون الأسعار رخيصة وتقوم بتخزينها للاستخدام وقت ارتفاع الأسعار، وذلك لزيادة قدرتها على المنافسة في السوق.

 لكن مرافق التخزين قد لا تكون كافية لمواجهة صدمة إمدادات تمتد لعدة أشهر أو عام كامل. 

هذا يعني انه في حالات الصدمات الممتدة لأسابيع طويلة أو عدة أشهر، قد لا يكون استخدام المخزونات التجارية كافيا لضمان استمرار دورة العمل لتلبية الطلب في معامل تكرير النفط الخام أو في محطات إنتاج الكهرباء.

 هذا الوضع يسهم في إشعال الأسعار كما رأينا في الحرب الإيرانية الحالية، حيث قفزت الأسعار بنسبة 30 في المئة تقريبا. ولا تزال السوق تعاني من حالة عدم اليقين بشأن سلامة طرق الإمدادات ما يتركها في حال ارتباك شديد. 

ولمواجهة هذا الوضع فإن البحث عن طرق إمدادات جديدة يفقد جدواه ما لم تأخذ الدول المعنية في اعتبارها أن إنشاء طرق إمدادات جديدة بديلة متنوعة ومتعددة يتطلب بالضرورة إقامة شبكة واسعة من مرافق التخزين التجاري للنفط الخام والمواد المكررة والغاز، 

ما يوفر هامشا واسعا للمرونة والقدرة على تجنب اختناقات الطلب في أوقات الحروب والأزمات. 

ومع أن التوسع في بناء مرافق التخزين يعني تحمل تكلفة إضافية لتغطية أعباء إدارة المخزونات التجارية، 

إلا أن العائد من هذه التكلفة يكون أعلى من خسائر عدم وجودها، ذلك أن وفرة المخزونات التجارية وسهولة إتاحتها للسوق يسهم في طمأنة المتعاملين ويقضي أو يقلل الشعور بالقلق من احتمال انقطاع الإمدادات. 

في هذا السياق نقول إن السباق من أجل استضافة طرق إمدادات بديلة أو توسيع الممرات الموجودة فعلا يجب أن يتضمن إقامة مرافق للمخزونات التجارية. 

الدولة التي تنجح في إقامة شبكة واسعة ومرنة وأكثر كفاءة ستكون فرصتها للفوز في السباق أفضل من تلك التي لا تتوفر لها الإمكانيات لتحقيق ذلك سواء لأسباب تكنولوجية أو مالية أو بيئية. 

وإذا نظرنا إلى المتغيرات الحاكمة في مجال بناء شبكة مرافق التخزين التجاري للنفط والغاز في السباق من أجل إعادة رسم خريطة طرق الإمدادات على مستوى العالم، فإن إسرائيل على الرغم من تقدمها التكنولوجي تفتقر إلى الخبرات الكبيرة في إدارة المراكز اللوجستية وممرات نقل البترول والغاز باستثتاء خبرتها في إقامة شبكة تصدير الغاز إلى كل من مصر والأردن.

 كما تفتقر إسرائيل إلى وجود مقومات طبيعية وبيئية تسمح بإقامة شبكة متنوعة من الممرات ومرافق التخزين لاعتبارات ضآلة الحجم، وذلك على العكس من كل من مصر وتركيا. 

مصر تتمتع بوجود قناة السويس وخط أنابيب سوميد والآفاق الواسعة للتصدير عن طريق موانئ البحرين الأبيض المتوسط والأحمر. أما بالنسبة لتركيا فتمر من خلالها شبكات لنقل النفط والغاز من مناطق الإنتاج في آسيا الوسطى والعراق وسوريا إلى أوروبا. 

ولا شك أن إيران كانت أكبر الخاسرين في سوق النفط بسبب الحرب، لأنها لم تتعرض فقط لتأثير انقطاع طرق الإمدادات، وإنما تعرضت أيضا إلى وقف الإنتاج وتدمير أجزاء من البنية الأساسية للإنتاج، 

ما يعني أنها قد تحتاج إلى سنوات قبل أن تعود للمستوى الإنتاجي الذي كانت عليه وقت الحرب. كذلك سجلت تداعيات الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران تعطيل نقل ما يقرب من حوالي 112 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال. 

وتحملت قطر أكبر الخسائر بين المنتجين، في حين كانت أوروبا ودول الشرق الأقصى أكبر الخاسرين بين الدول المستهلكة.

وتعمل الولايات المتحدة بكل السبل على التربح من التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران، وتدعو الدول المستهلكة إلى شراء النفط والغاز من المنتجين الأمريكيين.

 وقدرت وكالة الطاقة الدولية الخسائر الفورية للحرب في الإمدادات النفطية بحوالي 1.5 مليون برميل يوميا في المتوسط.

 لكن هذا التقدير يعد متحفظا جدا إذا ما قورن بالانخفاض الحاد في الإمدادات في أوقات ذروة الاضطرابات حيث وصلت الخسائر في الإمدادات إلى ما يتراوح بين 8 إلى 10 ملايين برميل يوميا طبقا لتقدير الوكالة أيضا، ما تسبب في ارتفاع الأسعار إلى حوالي 110 دولارات للبرميل من خام برنت. 

وقد لعب الاحتياطي الإستراتيجي من النفط دورا مهما في كبح صعود الأسعار، بعد أن حصلت السوق على حوالي 400 مليون برميل من ذلك الاحتياطي الذي يستخدم في أوقات الطوارئ.

تأثير نقاط الاختناق في الممرات البحرية

تواجه صادرات النفط والغاز بطريق البحر من الدول العربية وغير العربية إلى الصين ودول الشرق الأقصى تحديات كبيرة في الظروف الحالية بسبب الحرب على إيران والخوف من احتمال انضمام اليمن إلى إيران في الحرب الراهنة والعمل على إغلاق مضيق باب المندب ومنع وصول النفط السعودي إلى آسيا.

 وربما تلجأ الدول المستهلكة إلى تشجيع الشركات والدول المنتجة على تشجيع التوسع في إقامة خطوط الأنابيب عبر الدول الأكثر استقرارا، على غرار ما فعلته روسيا والصين بإنشاء خط أنابيب من شرق روسيا إلى شمال الصين. 

وربما تكون مشكلة نقل النفط والغاز من الدول العربية إلى الدول المستهلكة في أوروبا أخف كثيرا من النقل إلى الشرق الأقصى، نظرا للتوتر في مضيق هرمز واحتمال إعاقة مرور الناقلات من مضيق باب المندب. 

هذا من شأنه تشجيع التفكير في إنشاء شبكة من خطوط الأنابيب عبر شرق تركيا إلى آسيا الوسطى وصولا إلى الصين وكوريا واليابان وتايلاند وفيتنام ولاوس وكمبوديا، وكلها تأثرت سلبا إلى حد كبير من الأزمة الحالية في سوق النفط المترتبة على الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران. 

وربما يكون التفكير في إقامة بدائل بعيدة عن نقاط الاختناق والتوتر في ممرات النفط والغاز دافعا للدول المعنية في العمل على وضع إطار قانوني يضمن أمن وسلامة واستقرار الملاحة في الخليج وباب المندب للمحافظة على مصالح دول المنطقة في استثمار ثرواتها من النفط والغاز ومنتجاتهما على الوجه الأفضل، 

وعدم التسبب في إرهاق المستهلكين في كل أنحاء العالم في تحمل أعباء إضافية بسبب ارتفاع تكلفة الحصول على الطاقة. 

ويقدر كل صندوق النقد والبنك الدولي أن معدل النمو العالمي سينخفض عن توقعات بداية العام، وأن التضخم سوف يزيد وربما يمثل مشكلة كبيرة في الدول الصناعية في السنوات القليلة المقبلة.

إبراهيم نوار