سلع مخزنة في الأسواق اليمنية تباع بأسعار الحرب المرتفعة
شهدت أسواق اليمن حالة من الارتباك السعري خلال موسم عيد الفطر، الذي حل هذا العام في ظل تصاعد الحرب في المنطقة، حيث برزت ظاهرة إعادة طرح سلع مخزنة منذ أشهر، وعلى رأسها المكسرات والزبيب، بأسعار مرتفعة بدعوى زيادة تكاليف الشحن والتأمين المرتبطة بما يعرف بـ"مخاطر الحرب".
وفي جولة ميدانية في أسواق صنعاء، لوحظ تدفق كميات كبيرة من السلع المستوردة، خصوصاً من الصين، وجرى طرحها في الأسواق خلال فترة العيد بأسعار جديدة، مستفيدة من ارتفاع الطلب الموسمي.
غير أن اللافت، بحسب متعاملين في السوق، أنّ هذه السلع لم تصل حديثاً، بل كانت موجودة في مخازن التجار قبل اندلاع الأزمة الأخيرة في المنطقة.
ويرى مراقبون أن هذا السلوك يعكس محاولة بعض التجار الاستفادة من الأجواء العامة المشحونة والتقلبات في سلاسل الإمداد، لتبرير زيادات سعرية لا ترتبط فعليا بكلفة الاستيراد الحالية، بل بما يمكن وصفه بـ"تسعير نفسي" مرتبط بالمخاوف من الحرب.
في هذا السياق، يقول المحلل الاقتصادي وفيق صالح إن الأسعار في بعض الأسواق، بخاصة في تعز، ارتفعت بنسبة تتراوح بين 30% و40%، وفقا لتقديرات تجار جملة وتجزئة، مشيرا إلى أن كبار المستوردين يبررون هذه الزيادة بارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين.
غير أن صالح يشكك في وجاهة هذا التبرير، موضحاً أن جزءاً كبيراً من السلع المعروضة حالياً، بخاصة المكسرات والزبيب، جرى استيراده قبل أشهر، ولا يخضع فعلياً للزيادات الأخيرة في تكاليف الشحن، ما يجعل إعادة تسعيرها وفق الظروف الجديدة أمراً غير مبرر اقتصادياً.
ويضيف أن هذه الممارسات تكشف عن خلل في آليات الرقابة على الأسواق، حيث يتم تحميل المستهلك النهائي أعباء لا ترتبط مباشرة بتكلفة الإنتاج أو الاستيراد، بل بسلوكيات تسعير قائمة على استغلال الأزمات.
تسعير مركزي
وفي المقابل، يشير تجار تجزئة إلى أنهم لا يتحكمون في الأسعار، مؤكدين أن الأسعار الجديدة تفرض عليهم من قبل تجار الجملة، ما يعكس وجود حلقة تسعير مركزية تتحكم في السوق.
ويطالب صالح الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة الصناعة والتجارة، بالتدخل لضبط الأسواق ومنع استغلال الظروف الراهنة لرفع الأسعار دون مبرر.
من جهة أخرى، ساهمت الرسوم الإضافية التي فرضتها شركات الشحن، عقب تصاعد التوترات وإغلاق مضيق هرمز، في تغذية الموجة السعرية،
إذ فُرضت رسوم تعرف بـ"مخاطر الحرب" تصل إلى نحو 3000 دولار على الحاوية الواحدة، حتى على الشحنات المتجهة إلى موانئ بعيدة نسبياً عن مناطق التوتر، مثل ميناء عدن.
وأثار هذا الإجراء اعتراضات واسعة من قبل التجار والمستوردين، ما دفع وزارة النقل اليمنية إلى المطالبة بإلغاء هذه الرسوم، بخاصة على البضائع التي وصلت قبل اندلاع الأزمة في مارس/آذار 2026.
وعلى مستوى الأسعار، تفاوتت الزيادات بين المدن اليمنية، إذ سجلت في صنعاء ارتفاعات تراوحت بين 15% و25% لبعض السلع، وسط حالة من التذمر بين المواطنين، الذين فوجئوا بارتفاع أسعار المكسرات والزبيب، التي كانت تُعد سابقاً بديلاً أقل تكلفة مقارنة بالمنتجات المحلية، لتقترب الآن من أسعارها.
وبحسب بيانات السوق، بلغ متوسط سعر الكيلوغرام من الزبيب وبعض أصناف المكسرات نحو 5000 ريال في صنعاء، فيما تجاوزت أسعار بعض الأصناف 8000 إلى 10000 ريال للكيلوغرام الواحد، ما جعلها خارج متناول شريحة واسعة من المستهلكين،
بخاصة بعد موسم العيد الذي يشهد عادة ارتفاعاً في الاستهلاك (الدولار في صنعاء 535 ريالاً، وفي عدن 1558 ريالاً).
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ظل وجود إنتاج محلي معتبر من بعض هذه السلع، إذ تنتج اليمن كميات كبيرة من اللوز، تتجاوز 10 آلاف طن سنوياً، من مساحة زراعية تُقدّر بنحو 5 آلاف هكتار، مع تركّز الإنتاج في المرتفعات الجبلية.
غير أن هذا الإنتاج يواجه منافسة قوية من المنتجات المستوردة، خصوصا اللوز الأفغاني والصيني، ما يطرح تساؤلات حول فعالية سياسات حماية المنتج المحلي، خاصة في ظل استمرار تدفق السلع المستوردة أو المخزنة إلى الأسواق.
وفي السياق، يشير المحلل الاقتصادي نبيل الشرعبي إلى وجود ثلاث مخالفات رئيسية في السوق، تتمثل في استيراد سلع لها بديل محلي، وتداول كميات مخزنة رغم قرارات الحظر، إضافة إلى رفع أسعارها استنادا إلى مبررات غير دقيقة مرتبطة بالحرب وتكاليف الشحن.
وكانت جماعة الحوثي قد جددت في نهاية 2025 قرار حظر استيراد الزبيب الخارجي، بهدف حماية الإنتاج المحلي وتقليل استنزاف العملة الأجنبية، إلا أن استمرار تداول المنتجات المستوردة يثير تساؤلات حول مستوى الالتزام بهذا القرار.
وتشير بيانات مسح ميزانية الأسرة في اليمن إلى أن إنفاق الأسر على المكسرات والفواكه المجففة والمشروبات المرتبطة بالمناسبات كان يبلغ نحو 5 مليارات ريال سنوياً قبل الحرب، في حين يقدّر أنّ هذا الرقم تضاعف حالياً إلى نحو 10 مليارات ريال، نتيجة تدهور سعر الصرف وارتفاع الأسعار، ما يعكس اتساع هذه السوق رغم الضغوط الاقتصادية.
محمد راجح