Logo

حصار تعز... أزمات غذاء وتعليم وعلاج نتيجة خنق طرق الإمداد

 لا تُقاس تداعيات الحرب في محافظة تعز، جنوب غربي البلاد، بما يدور على خطوط التماس، بل بما يتركه إغلاق الطرق من أثر مباشر على توفر الغذاء وعلى حركة تنقل الموظفين والطلاب.

مع انتقال الاشتباكات العسكرية إلى محيط مدينة تعز وأريافها خلال التصعيد المتواصل منذ بداية يوليو/ تموز الماضي، وإغلاق المنافذ الرئيسية وتهديد طرق الإمداد، تجد الأسر اليمنية نفسها أمام أزمة معيشية تتداخل فيها مخاوف نقص الغذاء والوقود مع صعوبات الوصول إلى المستشفيات وتعليق الدراسة وتراجع النشاط التجاري. 

وتعيش المدينة، التي عرفت الحصار خلال سنوات الحرب الماضية، فصلاً جديداً من الحصار المطبق، بعدما أدت سيطرة الحوثيين يوم 4 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري على مدينة التربة، إلى تضييق وخنق طرق الحركة والإمداد القادمة من عدن عبر طريق هيجة العبد الذي أصبح خلال سنوات الحرب الشريان التجاري الرئيسي،

 بالتزامن مع إغلاق المنفذ الشرقي الرابط بين تعز والحوبان على خلفية دواعٍ أمنية.

ويُقدّر عدد سكان مدينة تعز، بمديرياتها الثلاث: المظفر، والقاهرة، وصالة، بنحو 915,000 نسمة، بينما يُقدّر عدد سكان محافظة تعز بنحو 4.47 ملايين نسمة. 

وفي مدينة مكتظة أنهكتها الحرب لأكثر من عقد، لا يحتاج المدنيون إلى معركة جديدة من أجل البقاء، بل يحتاجون إلى أن تبقى أبواب المدينة مفتوحة أمام وصول السلع الأساسية، وأن يكون حق الحياة أولوية، وليس الحسابات العسكرية. 

وتظهر آثار الأزمة بوضوح في الأسواق، فالمواطن الذي كان يشتري حاجته اليومية وفق قدرته المالية، بات يجد نفسه مضطراً إلى شراء ما يستطيع تخزينه، خشية أن تكون الأيام القادمة أصعب. 

يقول عبد الولي العبسي، وهو أب لستة أطفال "نشعر بالقلق من احتمال استمرار الحصار لفترة طويلة، خصوصاً أن الطوابير أمام محال بيع المواد الغذائية أصبحت مشهداً متكرراً. 

ذهبت أخيراً لشراء عشرة كيلوغرامات من الدقيق، لكني لم أتمكن بعد الانتظار الطويل من الحصول إلا على كيلوغرام ونصف فقط، إذ نفدت الكمية المتاحة في المحل الذي يبيع ما لديه من مواد تموينية بأسعار مضاعفة. 

هذا النوع من الشراء الاضطراري يفاقم الأزمة، لأن الأسر التي كانت تشتري احتياجاتها يومياً أو أسبوعياً تحاول الآن التخزين، بينما لا تملك كثير من العائلات المال الكافي لذلك".

وتنعكس هذه المخاوف على التجار أيضاً. يقول تاجر المواد الغذائية في مدينة تعز محمد العتمي لـ"العربي الجديد"، إن "إغلاق المنفذ الشرقي وسيطرة الحوثيين على خط تعز - عدن تسبب في موجة شراء واسعة من قبل تجار التجزئة والمواطنين، ما أدى إلى استنزاف المخازن خلال فترة قصيرة من دون القدرة على إدخال مواد جديدة إلى السوق.

 اضطر تجار الجملة إلى البحث عن مصادر بديلة للسلع داخل المدينة، لكنهم واجهوا ارتفاعاً في الأسعار، ما يرفع كلفة السلع قبل وصولها إلى المستهلك، خصوصاً مع قلة العرض وتزايد الطلب، واستمرار إغلاق الطرق قد يحوّل الأمر إلى مشكلة تموينية واسعة".
 
ومع تراجع تدفق السلع، بدأت أسعار المواد الغذائية الأساسية في الارتفاع، في وقت تقول فيه الأسر إنها لم تعد قادرة على تحمّل موجة جديدة من الغلاء، إذ باتت كلفة الدقيق والأرز والسكر والزيوت وغيرها من المواد الأساسية مضاعفة، 

فيما أغلقت بعض المحال التجارية أبوابها نتيجة صعوبة الحصول على البضائع، أو ارتفاع كلفة التخزين. 

ويسهل على من يتجول في أسواق تعز حالياً ملاحظة نفاد المواد التموينية في غالبية المحال، فيما زادت المحال التي تملك مخزونات أسعار المواد التموينية وصولاً إلى ضعف السعر الرسمي بفعل ارتفاع كلفة النقل والمخاطر التي تواجه الشاحنات على الطرق،

 فكيس الدقيق مثلاً كان سعره الرسمي 42 ألف ريال يمني (الدولار يساوي 1550 ريالاً)، ووصل سعره في بعض المحال إلى 80 ألف ريال. 

وتبدو أزمة الوقود أقسى بالنسبة إلى سكان تعز، فقد أغلقت محطات وقود عدة أبوابها بعدما تراجعت الإمدادات، فيما لجأ مواطنون إلى السوق السوداء للحصول على ما يحتاجونه من الوقود. 

وبحسب إفادات محلية، وصل سعر ليتر البترول في السوق السوداء إلى نحو 8 آلاف ريال (أكثر من خمسة دولارات)، وهو رقم يجعل تعبئة خزان سيارة أو دراجة نارية عبئاً يفوق قدرة معظم الأسر الفقيرة أصلاً.

ولا تتوقف آثار نقص الوقود عند أصحاب السيارات والدراجات النارية، فكل ارتفاع في سعر الوقود ينعكس على أجرة المواصلات، وعلى تكلفة نقل الغذاء والمياه والأدوية، وعلى أسعار الخدمات التي تعتمد على النقل أو المولدات، 

وأصبح المواطن في تعز لا يجد حافلة تنقله من منطقة إلى أخرى إلا نادراً، ومقابل أجرة مضاعفة.

يقول جميل الخليدي إن "أزمة الوقود انعكست كثيراً على المواصلات بعدما أصبحت حافلات نقل الركاب غير متوفرة، وارتفعت كلفة التنقل داخل المدينة. 

وإلى جانب الوقود، تعاني المدينة من أزمة حادة في غاز الطهي المنزلي، وأصبح الحصول على أسطوانة غاز مهمة شاقة، فيما يدفع النقص كثيرين إلى البحث عن الغاز في السوق السوداء، رغم الأسعار المرتفعة".

وتتجاوز مشكلة نقص الغاز المنزلي ارتفاع الأسعار إلى قدرة الأسر على إعداد الطعام، وفي مدينة كبيرة ومكتظة، الكثير من سكانها دخولهم محدودة، يمكن لنقص الغاز أن يعيد الأسر إلى بدائل أخطر، كاستخدام الحطب، أو يدفعها إلى تقليص عدد الوجبات.
 
ولم يسلم التعليم من تداعيات التصعيد العسكري، إذ أعلنت السلطات التعليمية في تعز تعليق الدراسة في جميع مدارس المدينة، كذلك أعلنت جامعة تعز تعليق الدراسة في كلياتها إلى أجل غير مسمى، 

وأصدرت لجنة الطوارئ في المحافظة، في 8 أكتوبر الجاري، قراراً بتعليق الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات العامة والأهلية والخاصة الواقعة في المديريات التي أصبحت تحت سيطرة الحوثيين، مع منح الموظفين العاملين فيها إجازة مؤقتة.

وهكذا يجد الطلاب أنفسهم مرة أخرى خارج الفصول الدراسية بسبب الحرب. فالتعليم الذي عانى أصلاً سنوات طويلة من الانقطاع وتراجع الإمكانات، بات رهينة لتغيرات الجبهات، وقطع الطرق، ومخاطر التنقل. 

ولا تقتصر آثار ذلك على أيام توقف الدراسة، بل تمتد إلى الأسر التي تضطر إلى إبقاء أطفالها في المنازل، وإلى الطلاب الجامعيين الذين تتعطل برامجهم الأكاديمية، وإلى المعلمين والموظفين الذين يواجهون أيضاً صعوبات في الوصول إلى أعمالهم.

لكن يظل أكثر ما يثير القلق في مدينة مدينة، وضع المرضى، خصوصاً أن هناك حركة مستمرة للمرضى بين المدينة والأرياف، ويحتاج مرضى من مناطق مختلفة إلى الوصول إلى المستشفيات والمراكز الطبية داخل المدينة بشكل متكرر،

 ومع إغلاق الطرق، أو تحولها إلى مسارات عسكرية خطرة، يصبح الوصول إلى المستشفى رحلة محفوفة بالمخاطر، خصوصاً بالنسبة إلى من يحتاجون إلى علاج عاجل، مثل مرضى الحالات المزمنة، والحوامل، والمصابين.

ويخشى الأهالي من أن يؤدي استمرار إغلاق الطرق إلى تأخر وصول سيارات الإسعاف، كذلك فإنه يرفع كلفة الوصول إلى المستشفيات بسبب ارتفاع أسعار الوقود وندرة المواصلات. 

وفي مثل هذه الظروف، لا يكون نقص الدواء وحده المشكلة، فقد يكون الدواء موجوداً في الصيدلية، لكن المريض غير قادر على الوصول إليه، أو قد يكون المستشفى مفتوحاً، لكن الطريق إليه مغلق، أو شديد الخطورة.

في مواجهة كل هذه التداعيات، أعلنت السلطة المحلية في تعز سلسلة إجراءات احترازية، إذ عقدت لجنة الطوارئ اجتماعات لمتابعة المستجدات العسكرية والأمنية والخدمية ومستوى الجاهزية في القطاعات المختلفة،

 فيما وجهت المحافظة اهتماماً خاصاً إلى ملف الأسواق والإمدادات الأساسية.
 
وتفقد محافظ تعز، نبيل شمسان، في 6 أكتوبر، عدداً من الأسواق ومحال تجار الجملة للاطلاع على مستوى توفر المواد الغذائية والسلع الأساسية، وعلى حركة البيع والشراء، 

وأكدت السلطات المحلية استمرار متابعة الأسواق والتنسيق مع القطاع التجاري لضمان استقرار الوضع التمويني، مع التشديد على الرقابة ومنع الاحتكار والاستغلال.

لكن السكان يرون أن إجراءات السلطات المحلية، وإن كانت ضرورية، لا تستطيع وحدها إنهاء أزمة مرتبطة بإغلاق الطرق وانقطاع سلاسل الإمداد، 

فالمشكلة الأساسية بالنسبة إليهم تكمن في ضمان وصول الشاحنات التجارية، والتي تحمل الغذاء والوقود والدواء والغاز بصورة منتظمة وآمنة.

وسط هذا المشهد، لا يتحدث سكان تعز عن الجوع والخوف وحدهما، بل عن الصمود أيضاً، فالمدينة التي عاشت سنوات من الحصار والقصف والنزوح لا تزال تحاول إبقاء الأسواق والمخابز والمستشفيات والخدمات الأساسية قيد العمل.

يقول كمال شعلان "تعلمنا من تجارب الحروب السابقة أن الثبات سلاحنا الأول. 

لذا نرفض كل مظاهر الهلع والخوف، أو التخزين العشوائي للمواد الغذائية، وما بدأنا عليه سنستمر عليه بكل وعي ومسؤولية، وعهدنا في الحرب كما في السلم واضح، وهو ألا نشتري إلا قدر حاجتنا الفعلية. 

ندعو الجميع إلى الصمود في بيوتهم قدر الإمكان، وعدم المغادرة إلا للضرورة القصوى، متذكرين أن أيام المحن ميدان للتكافل".

فخر العزب
صحافي يمني