Logo

وهبية نصر... امرأة تنتصر على صخور اليمن

 في بيئة ريفية محافظة باليمن، حيث يبدو خروج امرأة إلى منجم وتوليها أعمالاً شاقة أمراً استثنائياً، اختارت وهبية نصر أصعب المهن وأقساها على الجسد، وهي تكسير الحجارة.

حين تبدأ أشعة الشمس بالتسلل إلى آفاق جبل صبر المطل على مدينة تعز جنوب غربي اليمن، وتحديداً في السادسة صباحاً، 

تخطو وهبية نصر بثبات في الأزقة الضيّقة لقريتها نجد مشرعة، وتتجه، وهي تحمل مطرقة حديدية وكيساً قديماً يتضمن قطع خبز يابسة وعبوة ماء، إلى المنجم الصغير في أطراف قريتها الصخرية. 

في الأربعينيات لا تبدو وهبية مجرد امرأة تكسر حجارة، بل كأنها في مواجهة يومية مع صخرة الحياة نفسها. درست حتى الصف الثالث الابتدائي فقط، ثم أجبرتها الظروف المعيشية لأسرتها على ترك المدرسة مبكراً.

 واليوم تعيل وهبية أسرة من سبعة أفراد بعدما فقد زوجها سمعه إثر إصابته بالحمى الشوكية، ما جعله عاجزاً عن العمل. ومنذ ذلك الحين تتحمّل وحدها عبء الإعالة في منطقة لا تملك فيها الأسرة أرضاً، ويعيش معظم سكانها على زراعة نبتة القات وبيعها.

تسير وهبية بقامة منتصبة وشامخة وخطوات خبيرة نحو المنجم الذي تعمل فيه منذ أكثر من عقد ونصف. وهي لا تتذكر التاريخ بدقة،

 لكنها تؤرّخ لبدايته بالقول: "بدأت بالعمل منذ أن كان علي عبد الله صالح رئيساً"، في إشارة إلى سنوات سبقت 2012، ما يعني أنها تمارس هذه المهنة منذ أكثر من 15 عاماً. 

تضيف: "لا عمل آخر لدي. كان أحد أقاربي يشتغل في تكسير الأحجار، وتعلمت المهنة منه واشتغلت داخل المنجم واعتمدت على نفسي. العمل متعب لكنه مصدر رزق حلال من أجل الحصول على لقمة عائلتي وحفظ كرامتها".

داخل المنجم تختار وهبية صخوراً كبيرة، تتحسسّها بكفيها الخشنتين كأنها تقيّم صلابتها ودرجة عنادها. ترفع المطرقة بيدين متشققتين، وتضرب ويتردد الصوت في أجواء الجبل الفسيحة.

 طرق متكرر بإيقاع ثابت، ومع كل ضربة تتناثر شظايا صغيرة، ويتصاعد غبار أبيض يلتصق بوجهها وملابسها الداكنة.

العرق يبدأ بالتدفق باكراً. حبات صغيرة تتشكل على جبينها، ثم تنحدر ببطء وتختلط بالغبار المتطاير، فترسم على وجهها خطوطاً دقيقة تشبه تضاريس الجبل نفسه.

 تمسح العرق من دون أن تتوقف عن الطرق، وتقول مبتسمة: "في البدء كانت يداي تتورمان وظهري يؤلمني كثيراً. الآن اعتدت ذلك".

ولا تكتفي وهبية بتكسير الحجارة إلى قطع بل تواصل العمل حتى تتحوّل إلى حصى صغيرة تُعرف محلياً باسم "الكري"، وهي مادة أساسية في خلطات الخرسانة. تفرز القطع بيدها، تجمعها في كومة، ثم تكسر ما بقي منها حتى تصل إلى الحجم المطلوب.

في السابق كانت وهبية تنفذ هذه العملية داخل المنجم نفسه، لكن مع مرور الوقت صارت تنقل الأحجار إلى أمام منزل أخيها، حيث تتوافر مساحة أوسع للعمل.

 تجلس هناك على الأرض ساعات طويلة، تحيط بها أكوام الحصى، وتعيد الطرق بإيقاع يكاد أن يكون موسيقياً. 

وبعد الانتهاء من التكسير، تبدأ مرحلة التجميع. تنحني لتملأ "الشوالات" البلاستيكية بالحصى. تربطها بإحكام وتضعها جانباً استعداداً لنقلها إلى المشتري على ظهور الحمير.
 
كل شوال يحمل جزءاً من جهدها، وقطعة من وقتها، وشيئاً من صحتها التي تتآكل بصمت.

 تحتاج وهبية بين شهر وشهرين لتعبئة مئة غالون حصى وتحصل في النهاية على نحو 50 ألف ريال يمني (نحو 32 دولاراً)، 

وهذا مبلغ تقول إنه "لا يكفي حتى لتسديد ديون الدكاكين". تضيف: "أبيع الكري أحياناً وأكون مديونة لأصحاب الدكاكين بأكثر مما حصلت. نشتري بالدَّين، ونعيش بأمل أن نقضيه في المرة القادمة".

من السادسة حتى العاشرة صباحاً، تعمل وهبية في المنجم أو أمام منزل أخيها. تعود بعدها إلى بيتها الصغير لتعدّ وجبة الغداء. تغسل يديها المتشققتين، تنظف وجهها من الغبار، وتبدّل ثيابها الملطخة بالتراب.

 في المطبخ المتواضع، تشعل النار، تجهّز الطعام، وتحرص على أن يجتمع أفراد أسرتها حول مائدة بسيطة.

بعد الغداء، لا يمنحها اليوم استراحة طويلة. تعود إلى عملها حتى ساعات الغروب، فيما يتغيّر لون السماء فوق جبل صبر من الأزرق الصافي إلى برتقالي داكن، ثم إلى عتمة تتسلل ببطء.

في المساء، تجلس قليلاً أمام منزلها، تتأمل يديها المتعبتين. قد يُخيّل للناظر أن المطرقة سرقت أنوثتها، لكن في عينيها بريق تحدٍّ لا تخطئه العين. "المرأة اليمنية قوية وقادرة على أن تتحمّل المسؤولية. الظروف الصعبة جعلتنا نقوّي أنفسنا لمواجهة الشدائد بشجاعة".

لم تقتصر شجاعة وهبية على تكسير الأحجار، إذ اضطرت أيضاً إلى حفر القبور، وهذه مهنة أخرى يُنظر إليها باعتبارها حكراً على الرجال. تحفر القبر بعمق كبير حتى يشبه غرفة صغيرة تحت الأرض. 

وتقول: "الموت حق. يحتاج الناس إلى من يحفر لهم القبور. العمل صعب، لكنه أسهل من أن أرى أولادي جائعين".
 
لا تعرف وهبية إذا كانت ستستمر في هذه المهنة سنوات أخرى. جسدها يرهقها أحياناً، وظهرها يئنّ في الليالي الباردة. لكنها تعرف شيئاً واحداً أن أولادها يحتاجونها، وتقول: "أتمنى أن يتعلموا أكثر مني. لا أريدهم أن يحملوا المطرقة".

في قرية نجد مشرعة، لا تُقابل وهبية بنظرات استغراب أو استهجان، بل بإجلال. يقول جارها عبد الواحد الصبري “المجتمع ينظر لوهبية نظرة تقدير كبيرة. 

إنها امرأة مكافحة تناضل مع زوجها المريض وأسرتها. تمارس عملاً شاقاً يرتبط عادة بالرجال، لكن عزيمتها جعلتها تتحمل المسؤولية بشجاعة”.

 يضيف: "نراها نموذجاً ملهماً لكفاح المرأة اليمنية. لا تمدّ يدها لأحد، بل تعمل بعرق جبينها. هذا أمر يرفع الرأس".

تعترف وهبية بأن دخلها لا يفي باحتياجات أسرتها الأساسية. الأسعار ترتفع، والديون تتراكم، والخدمات شحيحة، لكنها ترفض الاستسلام. تعمل كي لا تمد يدها،

 وتقول: "قد أكون فقيرة، لكنني أعيش بكرامة". في كلماتها مزيج من الألم والفخر. الألم لأن تعبها لا يُترجم إلى أمان اقتصادي، والفخر لأنها قادرة على الوقوف رغم العواصف.

في طريق عودتها مساءً، تمرّ في جوار بيوت القرية. أطفال يلعبون، نساء يتبادلن الحديث، رجال يعودون من الحقول. تلوّح لها جارة من بعيد، فتبتسم. رغم التعب، لا تغيب عنها روح المشاركة في حياة مجتمعها.

فخر العزب
صحافي يمني