Logo

الشفوت والفتة وجبتان يمنيتان تحرسان مائدة الصيام

 أيام قليلة تفصل عن وداع الشهر الفضيل، ومعها تعود الموائد لأطباقها الاعتيادية بعد أسابيع تصدرت خلالها أطباق ارتبطت تقليدياً بليالي الصيام في اليمن. 

وعلى رغم طغيان عولمة الأطعمة الحديثة على كثير من الموائد العربية، ظلت وجبتا الشفوت والفتة تحافظان على حضورهما البهي في المائدة اليمنية، لتتوارثهما الأجيال بشغف لا يمكن الاستغناء عنه خلال هذا الموسم.

ولا يقتصر حضورهما على البعد التراثي فحسب، بل يعود أيضاً لقيمتهما الغذائية وفوائدهما الصحية التي تلائم صيام يوم طويل وشاق.

 كما تتميز وجبتا الشفوت والفتة ببساطة مكوناتهما وسرعة تحضيرهما، مما منحهما قدرة لافتة على الصمود في المائدة على رغم الظروف المعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد على نحو غير مسبوق.

الطبق الباقي الأثير

على مائدة الإفطار، لا يكاد بيت يمني يخلو من طبق الشفوت الذي يزين السفرة اليومية بوصفه من أبرز الأطباق الأصيلة التي نشأت في صنعاء والمرتفعات الشمالية، في طبق بسيط غني بالنكهة يجمع بين طعم الخبز والخضار والأعشاب مع مزيج من النكهات المضافة.

ومع التحولات الديموغرافية انتشر هذا الطبق من صنعاء إلى بقية مناطق اليمن، ووصل أيضاً إلى جنوب المملكة العربية السعودية، خصوصاً منطقتي عسير وجازان، نتيجة القرب الجغرافي والتواصل الثقافي بين تلك المناطق.

ولعل العامل الأبرز في بقاء الشفوت متسيداً السفرة يتمثل في سهولة تحضيره وقلة كلفته، فالطبق يعتمد في مكوناته الأساسية على اللحوح واللبن أو الزبادي، 

وهما عنصران ارتبطا بحياة الناس في اليمن وبمنتوجهم الزراعي، في ظل انتشار تربية المواشي واعتماد كثير من السكان على منتجات الألبان في غذائهم،

 كما يمنح اللبن شعوراً بالبرودة ويخفف العطش، مما جعله غذاء ملائماً لطبيعة المناخ الحار في كثير من مناطق تهامة وريفها غرب البلاد.

وعندما غابت اللحوم والأسماك في كثير من البيوت بسبب الغلاء واستمرار الصراع وما نتج منه من ظروف إنسانية صعبة، حافظ هذا الطبق التقليدي على حضوره الدائم بوصفه نكهة رمضانية عصية على الانكسار، وظل ينافس أطباقاً أخرى مثل السمبوسة والمعجنات والشوربات المختلفة.

وبحسب الشيف اليمنية فيف، يتكون الشفوت من الخبز الرقيق المخمر المعروف شعبياً باسم "اللحوح"، وهو من أشهر أنواع الخبز اليمني منذ قرون، ويغمر باللبن الرائب المخلوط بمقادير مناسبة من الخضراوات والفلفل والكزبرة الخضراء والثوم والنعناع، ويزين عادة بحبات الرمان وبعض الخضار.

وغالباً ما يبدأ به اليمنيون إفطارهم في الشهر الفضيل، سواء بوصفه مقبلاً أم وجبة رئيسة يكتفي بها كثيرون، كما يقدم في أيام أخرى قبل الوجبة الرئيسة.

ومع تنوع ألوان المطبخ اليمني في مختلف المحافظات، تختلف أيضاً طريقة صنع اللحوح، وهو خبز يصنع غالباً من الذرة الصفراء التي تزرع بكثرة في اليمن، غير أن كثيرين يرون أن محافظة المحويت تشتهر بصناعة أجود أنواعه التي تضفي مذاقاً مميزاً لهذا المخبوز.

وهكذا يظل الشفوت والفتة أكثر من مجرد أطباق تقليدية، بل جزء من الهوية الغذائية اليمنية، ارتبط حضورهما بنكهات الشهر الفضيل، إذ تجتمع فيهما بساطة المكونات مع قدرة الناس على الاستفادة من الطعام وصنع نكهات متفردة توارثتها الأجيال، على رغم انتشار الوجبات السريعة والمقليات المختلفة.
 
وجبة الطاقة اللذيذة

تعد الفتة من الوجبات الشعبية القديمة التي تنوعت طرق تحضيرها، وظلت حاضرة في مختلف البيوت اليمنية منذ مئات السنين، باستخدام مكونات بلدية متوافرة من الحبوب الكاملة مثل البر والدخن والشعير، التي تخبز ثم تفت مع الخبز واللبن والمرق والسمن وزيت السمسم والعسل.

وتقول الشيف اليمنية فيف إن وجبة الفتة بالحليب تعد واحدة من أشهر وأقدم وجبات السحور في اليمن، لما تتمتع به من مذاق لذيذ، وقدرة عالية على منح الشعور بالشبع والطاقة طوال ساعات الصيام، خصوصاً لدى أصحاب النشاط البدني خلال النهار، ولا سيما فتة الدخن لاحتوائها على ألياف الحبوب الكاملة.
 
وتوضح أن تحضير الفتة يعتمد على أنواع من الخبز مثل البر، الذي يسمى "معصوب" في مناطق شرق اليمن، أو الطاوة أو الملوح أو الدخن، إذ تفتت أو تعرك ساخنة، 

ثم يضاف إليها الحليب الساخن والسمن البلدي أو زيت السمسم، وعادة تحلى بالعسل وتزين بحبة البركة. وتتم طريقة تحضيرها عادة من خلال "سكب الحليب الساخن فوق الخبز حتى يتشربه، ثم إضافة السمن، وتوضع على النار حتى يطرى الخبز، ثم يضاف العسل قبل التقديم".

وتضيف أن هناك أنواعاً أخرى من الفتات تحضر من خلال عرك الخبز مع الموز والحليب، أو مع التمر وزيت السمسم، وتضاف إليها المكسرات وحبة البركة أو حبات السمسم.

وتلفت فيف إلى أهمية الإناء الذي تقدم فيه الفتة، إذ يكون عادة من الفخار الطبيعي أو الخشب، ومن أشهرها "المدر"، وهو وعاء ينحت من الحجر ويستخدم عادة في الطبخ التقليدي، ويعد بمثابة كلمة السر في جودة مذاق الأكل اليمني، كما يساعد في الحفاظ على سخونته.

توفيق الشنواح 
صحافي يمني