العقل العربي والتراث: سجن أم عقيدة؟
على الرغم من أنّنا نعيش في القرن الواحد والعشرين ما زلنا عاجزين عن التصالح مع ماضينا، لأنّنا ألبسناه ثوب القداسة وجعلنا منه مصدر إلهامنا للبحث عن حلول لمشكلات الحاضر.
ولذلك نحاول تلميع صورته وتأويل مساراته حتى نخفي أخطاء الماضي أو نحوّلها إلى انتصارات. كلّ هذا بحثًا عن حلول مُمكنة لما نواجهه في الحاضر من مُعضلات فكرية أو اجتماعية أو سياسية.
الماضي الذي نستلهمه ليس هو الماضي الحقيقي، بل الصورة المثالية التي رسمناها له، ولذلك نحاول أن نبحث فيه عن نموذج نحاول من خلاله تقديم هذا الماضي كما نريده وليس كما هو فعلًا.
فحوّلنا الأساطير إلى حقائق، والهزائم إلى انتصارات، والاختلافات والخلافات إلى ما يُسمّى بالإجماع. لهذا نغضب ونثور حين يأتي من يقوم بتفعيل دور العقل، ويواجهنا بالحقائق، ويحاول إخراجنا من أوهامنا.
كان شعار السلفية في مرحلة ما هو "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوّلها"، وهو شعار برّاق يغري كلّ من يركن إلى التبعية والإتباع، ويرفض الاستعمال الحقيقي للعقل معياراً فكرياً. فهل فعلًا يكمن الحل في الماضي؟
من المؤكّد أنّ الماضي والذاكرة التاريخية جزء مهم من بناء أيّ مجتمع إنساني، وكلّ التكتلات البشرية التي تؤسّس مفهوم العشيرة اللغوية والفكرية والمجتمع.
ولهذا، فالذاكرة مهمّة لأنّ الشعوب التي ليست لها ذاكرة هي شعوب مُجتثّة من جذورها، لكن حين تتحوّل الذاكرة إلى سجن، ويتحوّل الماضي من موضوع قابل للنقاش والانتقاد إلى موضوع مقدّس لا يجوز انتقاده أو الحديث عنه، إلّا إذا كان الهدف هو ترسيخ مكانته وتعزيز موقعه في الحاضر والمستقبل،
هنا يصبح التاريخ سجنًا فكريًا يجعلنا غير قادرين على البحث عن حلول لمشكلات عصرنا، في واقعنا وجزئياته، ولا حتى في بناء حاضر أو مستقبل مختلف. بل نحارب من هذا المُنطلق كلّ فكر حر يحاول أن يعطي للعقل دورًا مهمًّا في حياتنا،
لسبب بسيط هو أنّنا عشنا داخل وهم خادع تحوّل معه الماضي إلى عقيدة مُغلقة لا ينبغي الاقتراب منها، وحينها أصبحنا عاجزين عن فهم ماضينا بالصورة الإيجابية، أو بناء حاضر ومستقبل مختلف.
مشكلتنا الحقيقية هي أنّنا لم نتعامل مع الماضي باعتباره تجربة إنسانية تحتمل الخطأ والصواب والنقد والمراجعة، بل رفعناه إلى مرتبة التقديس وتحوّلت كلّ الأخطاء التي ارتُكبت فيه إلى اجتهادات عظيمة ينبغي الاقتداء بها، وتحوّل رجال الماضي إلى أبطال أسطوريين خارقين. وهنا بدأت المأساة الحقيقية للعقل العربي.
أليس من الغرابة أن نتساءل عن سبب تخلّفنا، بينما نحن نعيش في القرن الواحد والعشرين بعقل تشكّل في القرون الوسطى؟
لنعترف بأنّ الخطأ الذي ارتكبناه يكمن في كوننا لم نكتف بتقديس الأشخاص، بل قدّسنا أفكارهم ومنحناها سلطة تتجاوز الزمن. وبالتالي، فما كان اجتهادًا بشريًّا في سياق تاريخي مُحدّد أصبح نصًّا مُقدّسًا لا تجوز مُساءلته.
هذا لا يعني أنّ علينا أن نبخس الأقدمين حقّهم، ونرمي كتبهم في البحر. كلا. بل ما ندعو إليه بسيط وسهل،
أي وضع كلّ شيء في سياقه، الماضي ماضٍ والإنسان الذي عاش فيه كان محكومًا بشروط موضوعية تجعل معرفته منطقيًّا محدودة، والاحترام الذي نكنّه له لا يعني أنّه معصوم.
هنا سنُدرك بالضرورة أنّ العقل الذي يخاف من الأسئلة عقل هش، وأنّ العقل الذي يعتبر الاختلاف والخلاف تهديدًا لوجوده هو عقل لم يتمكّن بعد من إدراك المعنى الحقيقي للحرية واحترام الآخر وقبول الاختلاف.
أمّا العقل الذي يتساءل ويفترض إمكانية الخطأ في رأيه فهو عقل يملك فرصة لتطوير ذاته وبناء مستقبل حقيقي مستقل ومُتميّز.
ولعلّ أكثر ما يؤلم في واقعنا الحالي هو إصرار البعض على اعتبار النقد شكلًا من أشكال العداء، والمراجعة نوعًا من الخروج على الإجماع. أمّا الاختلاف فيرونه خروجًا من الجماعة،
ولهذا ربّما يكون من الأفضل أن نحمي أفكارنا من الواقع بدل وضعها أمام الواقع واختبار صحتها.
وهكذا أصبحنا نعيش في عالمين متناقضين: عالم نتكلّم فيه عن الحداثة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، وعالم آخر ما زال يناقش قضايا قديمة بالطريقة نفسها التي نُوقشت بها في السنوات أو القرون الماضية، وكأنّ الزمن توقّف عندها ولم يتطوّر.
تكمن المشكلة في أنّنا نملك فعلًا تراثًا وازنًا ومُهمًّا، لكننا نكتفي بالحديث عنه وكأنّه أمجاد الماضي التي لن تتكرّر، بدل البحث فيه وتمحيصه وإعادة قراءته، من دون تقديسه واعتباره حقيقة مُطلقة لا تقبل المناقشة،
لأنّ الأمم الحيّة التي استطاعت التقدّم والرقي لا تهرب من ماضيها وتاريخها بل تحاول فهمه، ولا تمحو أخطاءه بل تتعلّم منها، ولا تقدّس شخصياتها ورموزها، بل تضعهم في سياقهم التاريخي والإنساني.
السؤال الحقيقي الذي ينبغي لنا طرحه ليس هو: ماذا فعل أسلافنا ؟ بل: ماذا فعلنا نحن بما فعل أسلافنا؟
محمد بوفتاس
كاتب مغربي