Logo

نجيب محفوظ وحدود الاقتباس والتأثر في نصه الروائي

 منذ بدايات مشروعه الروائي، انفتح نجيب محفوظ (1911-2006) على أعمال ديكنز وبلزاك وفلوبير وتولستوي ودوستويفسكي وغيرهم، 

لكنه لم يكن يوماً قارئاً محايداً، بل تشرّبت أعماله تلك القراءات وتغذت عليها؛ وهو ما يدعونا إلى أن نتساءل، هل كان محفوظ الذي يمرّ اليوم عشرون عاماً على رحيله، يبتكر أفكاره من لدن ذاته، أم أنها مجرد استحواذ واع على تراجيديات ومصائر إنسانية عرفتها آداب أخرى، أعاد توطينها بذكاء في تربته المصرية؟

إنها مجرد تقنية؟

يبدو محفوظ في رواية "ميرامار" (1967)، أقرب إلى استلهام طريقة الحكي منه إلى اقتباس خيوط الحكاية؛ إذ تظهر أوجه التشابه بينها وبين "رباعية الإسكندرية" (1957-1960) للروائي البريطاني لورنس داريل، ولا سيما في اعتماد العملين على تعدد الأصوات والمنظورات في تقديم مدينة الإسكندرية وشخصياتها وفقاً لنسبية أينشتاين. 

فبينما وزّع داريل رباعيته على رواة ومنظورات متعددة عبر أجزائها الأربعة ("جوستين"، و"بلتازار"، و"ماونت أوليف"، و"كليا")، شيّد محفوظ "ميرامار" على عدة أصوات: عامر وجدي، وحسني علام، ومنصور باهي، وسرحان البحيري. 

وهكذا، لا يتلقى القارئ الأحداث من راوٍ عليم، وإنما يعيد تركيبها من شهادات شخصيات متباينة في رؤيتها وموقعها الاجتماعي والسياسي.

 وقد تناولت الكاتبة رضوى عاشور هذا التقاطع في دراستها "الإسكندرية وأشكال الزمان/المكان"، حين قارنت بين رواية "جوستين" و"ميرامار".
 
غير أن التشابه لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمتد إلى فضاء المدينة باعتباره مسرحاً لتفاعل الهويات والثقافات المشرقية والأوروبية في لحظة تحول كبرى. 

فعند محفوظ يُمثل بنسيون ميرامار في صيف عام 1967 بؤرة لمشهد كوزموبوليتاني يتداعى، تماهياً مع الأجواء التي رسمها داريل في شقق الإسكندرية وغرف فنادقها قبيل الحرب العالمية الثانية وأثناءها، حيث تتهاوى الأرستقراطية وتتلاشى امتيازاتها لمصلحة واقع جديد.

على جانب آخر، يغلف التأمل الفلسفي كلا النصين؛ كما يتضح في رؤية منصور الحائر واليساري المأزوم في "ميرامار" التي تلتقي مع تأملات دارلي (الراوي في الرباعية) وأفكار بلتازار حول الحب والزمن. 

وإذا كانت شخصية "زهرة" ترمز بملامحها الريفية إلى جوهر الروح المصرية المتأرجحة بين الأصالة والضياع وسط صراع الطبقات، فإننا لا نعدم نظيره في نساء داريل اللواتي يجسدن غموض المدينة وربكتها. 

فهل تكفي إعادة توظيف تقنية سردية داخل سياق جديد لمنحها استقلالاً إبداعياً كاملاً؟ 

الجريمة تعبر بطرسبورغ إلى أزقة القاهرة

على الرغم من أن محفوظ استمد مادته الأولى في "اللص والكلاب" من شخصية السفاح محمود أمين سليمان التي شغلت الصحافة المصرية في مطلع الستينيات، 

فليس من الصعب أن يلحظ القارئ صدى "الجريمة والعقاب" لفيودور دوستويفسكي، وتسفر المقارنة بين الروايتين عن وجوه متعددة للتأثر، منها افتتاح الحكاية بالجريمة ثم تتبع أثرها في الشخصية حتى نهاية السرد والذي يعد بمثابة العقاب الحقيقي لمرتكبها. 
 
في البداية يقتل راسكولنيكوف المرابية الجشعة مدفوعاً بنظرية تبيح للإنسان الاستثنائي تجاوز القانون، بينما يسعى سعيد مهران إلى قتل زوجته وصديقه جزاءً على خيانتهما، فتغدو الجريمة في الحالتين نوعاً من استئصال عناصر فاسدة أكثر منها جنوحاً إلى الجرم.
 
ولا يقتصر التقارب على دوافع الجريمة، بل يمتد إلى الطريقة التي يدخل بها محفوظ ودوستويفسكي إلى وعي البطل؛ فالأحلام والهواجس والذكريات تكشف ما يعجز المجرم عن الاعتراف به في يقظته، وتحوّل المطاردة الخارجية إلى مطاردة داخلية أيضاً. 

وكأن الشرطة لا تطارد الرجل وحده، بل تطارد جريمته وهي تنمو وتتضخم داخله مثل ورم خبيث. 

وقد سبق إلى دراسة هذا الصدى ممدوح أبو الوي في بحثه "بعض مؤثرات رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي في رواية نجيب محفوظ اللص والكلاب"، المنشور في مجلة "الموقف الأدبي" عام 2018، 

حيث استوقفه تشابه دوافع راسكولنيكوف وسعيد مهران، وطريقة توظيف الأحلام للكشف عن أعماق الشخصية وصراعاتها المحتدمة.

ويبدو التقارب واضحاً في شخصية المرأة التي تفتح أمام البطل احتمالًا آخر للحياة. فـ"سونيا" في "الجريمة والعقاب" و"نور" في "اللص والكلاب" كلتاهما شخصيتان هامشيتان تمارسان البغاء رغماً عنهما، 

وتمنحان الرجل الذي أشقاه وعيه مساحةً من الرحمة والقبول لا يجدها في العالم المحيط به. غير أن محفوظ لا يستنسخ النهاية الدوستويفسكية؛ فنور، رغم ما تمنحه لسعيد من حب وأمان، لا تستطيع أن تنقذه من مصيره. 

وإذا كانت سونيا تقود راسكولنيكوف إلى بداية الخلاص، فإن نور تقف أمام سعيد بوصفها إمكاناً للخلاص لا يتحقق أبداً. 
 
أهو حقاً توارد خواطر؟

ما سبق كان نقرة، والتشابه بين رواية "الطريق" لمحفوظ و"بيدرو بارامو" للكاتب المكسيكي خوان رولفو نقرة أخرى. صدرت الثانية عام 1955، ثم ظهرت الأولى عام 1964، وبينهما تشابهات تتجاوز الفكرة العامة للبحث عن الأب الغائب؛ 

فالروايتان تقطعان مساراً حكائياً واحداً: أم تحتضر، ووصية أخيرة إلى الابن بأن يبحث عن أبيه الذي شاءت الأقدار أن يتربى بعيدا عنه، فيغادر الابن عالمه متتبِعاً أثر الرجل صاحب النفوذ والجاه والثروة. 

ولا تتوقف المصادفة عند الوصية والرحلة، فالصورة التي يحملها الابن في العملين تعدّ الوسيلة لإثبات نسبه، وكأنها بديل عن حضور الأم.

ويمتد التشابه ليشمل انقلاب رحلة البحث عن التحقق إلى رحلة نحو الهلاك وفقدان الذات. 

فخوان بريثيادو في "بيدرو بارامو" يذهب إلى كومالا بحثاً عن أبيه الذي يملك كل شيء، ليجد نفسه في عالم الموتى حيث تتداخل الأصوات والذكريات والأزمنة، وتنتهي رحلته بموته ودفنه في البلدة التي خرَّبها أبوه. 

وفي "الطريق"، يخرج صابر مدفوعاً بوصية أمه للبحث عن أبيه سيد الرحيمي، ليتحول البحث تدريجياً إلى مطاردة قاتلة تنتهي بإعدامه شنقاً دون بلوغ الهدف.

وإذا كان التشابه في "البحث عن الأب" يندرج عادة ضمن الثيمات الإنسانية المتكررة، فإن اجتماع الأم المحتضرة، والوصية، والصورة الفوتوغرافية للتعارف، ثم موت الابن في نهايتها، يجعل التوارد أمراً بعيد الاحتمال؛

 فهذه العناصر لا تتجاور عرضاً، بل تنتظم في السلسلة السببية ذاتها: موت الأم يطلق الرحلة، وغياب الأب يحدد وجهتها، والصورة تمنحها وسيلة التعرف، لتنقلب الرحلة من بلوغ المجد إلى خسارة الذات.

"وما كان لك أن تخاف"

كتبت تلك العبارة على قبر الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، ولعل موقفه من فكرة "الأصالة" والإبداع المطلق يخفف كثيراً من هاجس السطو والخوف من التناص؛

 فهو يرى أن مفهوم "الملكية الفكرية" أو "الإبداع الفردي البحت" ليس سوى وهم مطلق، وأن كل ما نفعله كمبدعين، مجرد إعادة تدوير وترتيب لنصوص ومعانٍ أزلية كُتبت بالفعل. 

ففي رؤيته للمكتبة الشاملة (كما في قصته الشهيرة "مكتبة بابل")، تضم الكتب جميع التركيبات اللغوية الممكنة، مما يعني أن أي نص نكتبه اليوم قد أُنجز سلفاً، 

وما الكاتب إلا "مرآة" تعكس ما أنتجته الإنسانية جمعاء. وله مقولة شهيرة تلخص هذا المعنى: "مفهوم الانتحال أو السطو لا وجود له؛ فقد استقر الأمر على أن جميع الأعمال هي نتاج مؤلف واحد، خالد ولا زمن له، ومجهول الهوية".
 
من هنا يمكن قراءة علاقة النصوص بعضها ببعض؛

 فبينما استلهم غارسيا ماركيز "مئة عام من العزلة" من رائعة رولفو وأعرب عن ذلك صراحة لدرجة إقراره بأنه ظل يقرأها لشهور حتى حفظها عن ظهر قلب وتشبع بروحها قبل أن يشرع في كتابة روايته، صمت نجيب محفوظ عن التأثر الواضح بغيره. 

وللمفارقة، نال الكاتبان (ماركيز ومحفوظ) جائزة نوبل، بينما حُرم منها خوان رولفو رغم فرادته التأسيسية الذي خشي هو نفسه، أن يطالبه القراء بتكرارها. 

كتبت تلك العبارة على قبر الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، ولعل موقفه من فكرة "الأصالة" والإبداع المطلق يخفف كثيراً من هاجس السطو والخوف من التناص؛ 

فهو يرى أن مفهوم "الملكية الفكرية" أو "الإبداع الفردي البحت" ليس سوى وهم مطلق، وأن كل ما نفعله كمبدعين، مجرد إعادة تدوير وترتيب لنصوص ومعانٍ أزلية كُتبت بالفعل.

 ففي رؤيته للمكتبة الشاملة (كما في قصته الشهيرة "مكتبة بابل")، تضم الكتب جميع التركيبات اللغوية الممكنة، مما يعني أن أي نص نكتبه اليوم قد أُنجز سلفاً، وما الكاتب إلا "مرآة" تعكس ما أنتجته الإنسانية جمعاء. 

وله مقولة شهيرة تلخص هذا المعنى: "مفهوم الانتحال أو السطو لا وجود له؛ فقد استقر الأمر على أن جميع الأعمال هي نتاج مؤلف واحد، خالد ولا زمن له، ومجهول الهوية".

سناء عبد العزيز