Logo

وهم التجديد الشعري عند الحداثيين العرب: حين يلبس الفراغ قناع الثورة

 لا تنحصر مشكلة الحداثة العربية في التخلي عن الوزن أو كسره، أو تختصر في أنها  فتحت اللغة على المدينة والقلق. 
المشكلة أن جزءاً من أهل هذه الحداثة ظن أن تغيير هيئة القصيدة يكفي لتغيير مصيرها، وأن تمزيق السطر يغني عن تمزيق الوعي، وأن الغموض يعوض غياب الرؤية.
هنا ولد الوهم الكبير فأنتج حداثة في القشور، وقِدما في نخاع العظم. 
صارت القصيدة متمردة على الصفحة البيضاء، لكنها مطيعة في العمق وهي تكرر وتكرر ما في القاموس التقليدي المحفوظ، من إشارات معتادة، ونبرة متعالية، وطقوس نخبوية صغيرة. 
كأن الشاعر خرج من بيت الخليل ليدخل ديراً آخر؛ أقل إيقاعاً، لكنه أكثر ادعاءً. لقد هدم الباب القديم، ثم جلس يحرس باباً جديداً، وسمى الحراسة حرية.
التجديد الحقيقي ليس في تغيير نظام الكتابة، بل تغيير نظام الإحساس وطريقة الإدراك. التجديد ليس أن تكتب القصيدة بطريقة مختلفة، بل أن تجعل الإنسان يرى نفسه بطريقة لا يستطيع بعدها أن يعود كما كان. 
أما حين لا تفعل القصيدة سوى إرباك القارئ، من غير أن تمنحه قشعريرة وجرحا معرفياً، فإنها لا تكون حديثة؛ تكون صعبة فقط.
من أخطر أوهام بعض الحداثيين العرب أنهم ظنوا القطيعة مع التراث فضيلة بذاتها. 
لكن القطيعة التي لا تقوم على معرفة عميقة ليست ثورة؛ إنها أمية متكبرة. فالتراث العربي ليس حائطاً ينبغي هدمه، بل مدينة شديدة التعقيد: فيها أبو نواس وهو يضحك في وجه النسق الجاهلي، والمعري وهو يحاكم الوجود والعدم،
 والمتنبي وهو يصنع ذاتاً تكاد تلتهم العالم، والنفري وهو يدفع اللغة إلى حافة الصمت، وابن عربي وهو يجعل المجاز كينونة، والحلاج وهو يحول الجسد إلى سؤال، والوجود إلى تجل.
من يختزل هذا كله في قافية وعمود ومديح لا يثور على التراث، بل يثور على نسخة مدرسية رديئة منه. إنه لا يقتل الأب، بل يقتل صورة فقيرة مشوهة  للأب، ثم يعلن انتصاره.
 فالتحرر من الماضي لا يتم بشتمه، بل بامتلاكه. لا يخرج الشاعر من التراث إلا إذا مر من داخله، عرف طاقاته المكبوتة، وشقوقه، وتمرداته، ومنافيه القديمة. أما من يقف خارجه ويشير إليه بازدراء، فإنه يظل تابعاً له بصورة مقلوبة.

حين يصبح الشكل بديلاً عن الرؤية

اعتقد بعض الشعراء أن الحداثة تسكن في شكل السطر، في البياض، في حذف علامات الترقيم، في تفكيك الجملة، في إلغاء الوزن، وفي توتر الصفحة. لكن هذه كلها أدوات، والأداة لا تخلق شعراً إن لم تكن مشحونة برؤية. 
قد يكون البياض صمتاً كونياً، وقد يكون فراغاً مطبعياً. قد يكون كسر الجملة زلزلة في المعنى، وقد يكون عجزاً عن بناء الجملة. قد يكون غياب الوزن حرية داخلية، وقد يكون هروباً من مسؤولية الإيقاع.
إن التجديد الشكلي، حين لا يصاحبه انقلاب في الحساسية، يتحول إلى ديكور. والديكور، مهما بدا جريئاً، لا يغير طبيعة البيت. 
لقد صارت بعض القصائد الحديثة تشبه مباني زجاجية فاخرة، لا يسكنها أحد: نوافذ كثيرة، إضاءة باردة، هندسة متوترة، لكن لا دفء، لا جسد، لا طفل يبكي في الداخل. وهذا موت الشعر: أن تبدو القصيدة مبنية، لكنها غير مأهولة.
ليس كل غموض عيباً. فالشعر يذهب إلى ما لا يقال بسهولة. إنه يلامس مناطق لا تصلح لها اللغة اليومية: الموت، الرغبة، الله، الخوف، المنفى، الطفولة، الذاكرة، الوجود، العدم. 
لذلك يحتاج أحياناً إلى غموض شفاف، إلى عتمة مضيئة، إلى باب لا يفتح كله لأن الحقيقة لا تدخل عارية.
لقد استخدم بعض الشعر الحديث الغموض كما يستخدم الفقير عطراً باهظاً لإخفاء رائحة الغرفة. تراكمت الصور، مثل: رماد، مرآة، طين، ظل، شرفة، جسد، قناع، بياض، غياب. 
لكن الصور، حين لا تنبع من تجربة عميقة، لا تصير شعراً؛ إنها تصير ضباباً لغوياً. القصيدة العميقة لا تقول كل شيء، لكنها تشعرنا أن شيئاً خطيراً يحدث خلف الكلمات. أما القصيدة الغامضة بلا ضرورة، فهي لا تخفي سراً؛ لكنها تخفي أنها بلا سر.
ضحك بعض الحداثيين من الشاعر القديم وهو يقف على الأطلال، ثم أقاموا أطلالاً أخرى من مفردات حديثة. استبدلوا الخيمة بالمنفى، والناقة بالجسد، والصحراء بالفراغ، والليل الجاهلي بالعتمة، والمحبوبة بالمرآة، 
والقبيلة بالبياض. لم تختف الأطلال؛ لقد تغيرت مواد بنائها فقط. وهكذا ظهر قاموس حداثي جاهز، يكاد القارئ يتنبأ به قبل أن يقرأ القصيدة. مفردات تبدو عميقة لأنها محاطة بهالة ثقافية، لكنها فقدت دمها من كثرة النزيف.
أراد الشعر الحديث أن يحرر القارئ من البلاغة السهلة، وهذا حقه. لكنه، في بعض صوره، لم يحرره، بل طرده خارج البلاغة. 
صار القارئ متهماً دائماً: إن لم يفهم فهو سطحي، إن طالب ببناء فهو تقليدي، إن بحث عن أثر إنساني فهو عاطفي، إن سأل عن المعنى فهو خارج زمن الحداثة، إن طرب فهو غنائي. هذه النخبوية، بالتأكيد، علامة جبن. 
فالقصيدة التي تثق بنفسها لا تحتاج إلى إهانة قارئها.
وحين تنقطع القصيدة عن الإنسان، ماذا يبقى منها؟ تقنية؟ وضعية ثقافية؟ عضوية في ناد صغير يتبادل أفراده المديح؟ إن الشعر لا يولد لكي يصفق له الشعراء وحدهم. 
يولد لأنه يريد أن ينقل جرحاً من جسد إلى جسد، وأن يجعل الألم الفردي معرفة مشتركة. فإذا لم يعد الجرح ينتقل، صار النص بارداً مهما بدا عالياً.

استيراد القلق والفاجعة

استفاد الشعر العربي من الرمزية والسريالية والوجودية والأسطورة وقصيدة النثر والتجارب الطليعية. وهذا التفاعل كان ضرورياً؛ 
فلا ثقافة تتجدد وهي مغلقة على نفسها. لكن الخطر يبدأ حين تتحول الحداثة إلى بضاعة مستوردة: أسماء أجنبية، إشارات أسطورية، عبارات عن العدم، قلق جاهز، وقناع كوني يلبسه نص لم يلمس تربته بعد.
لا يمكن استيراد القلق كما تستورد الآلات. القلق الحقيقي ينبت من التاريخ، من التجربة، من الجسد، من اللغة الأم، من الهزيمة، من المدينة، من السجن، من الأم وهي تنتظر ابنها الشهيد، من اللاجئ وهو يعد مفاتيح لا تفتح شيئاً. 
أما القلق الذي يأتي من كتاب مترجم ولا يمر في اللحم العربي، فيبقى بارداً، مهما كان أنيقاً.
وقد عاش الشعر العربي الحديث تحت سماء من الهزائم: فلسطين، النكسة، السجون، المنافي، الحرب الأهلية، الدولة الأمنية. 
هذه التجارب صنعت نماذج عظيمة، لكنها في نصوص أخرى تحولت إلى نبرة جاهزة، وإلى مسرح دائم للذات الشاعرة. يكتب الشاعر عن الدم، لكن الدم لا يلوث الصفحة. 
يكتب عن الضحية، لكنها لا تظهر إلا كظل يخدم عظمة المتكلم. هكذا تتحول المأساة إلى مادة بلاغية، ويصبح الجرح سلعة رمزية.

الحداثة بوصفها سلطة مضادة

كل ثورة تحمل في داخلها احتمال أن تتحول إلى سلطة. وهذا ما أصاب بعض الحداثة العربية. صار لها آباء لا يناقشون، ونصوص معيارية مقدسة، ومفردات خاصة، وأشكال جاهزة للتمرد. 
من لا يشبه هذه اللغة يتهم بالتأخر. ومن يجرؤ على نقدها يتهم بأنه عدو الحداثة. هكذا أصبحت الحداثة، في بعض دوائرها، محكمة للثورة لا أفقاً للتجديد.
لكن الحداثة، حين تتحول إلى معيار ثابت، تخون نفسها. فجوهرها الحركة، لا المحكمة؛ السؤال، لا الوصفة؛ القلق، لا الطمأنينة إلى شكل جديد. 
وما إن يصير التمرد نمطاً إجبارياً حتى يصبح أشد محافظة من الطاعة. فالقصيدة التي تتمرد بالطريقة نفسها كل مرة لم تعد تتمرد؛ إنها تؤدي واجب التمرد الروتيني كما يؤدي الموظف توقيعه الصباحي.
لا يولد التجديد الحقيقي من المرآة، بل من اللحم. البشري ذاته، لا يولد من رغبة الشاعر في أن يبدو مختلفاً، بل من عجزه الصادق عن قول تجربته بالأدوات المتاحة. 
حين تضيق اللغة عن الجرح، يبحث الشاعر عن لغة أخرى. حين لا يكفي الوزن، ينكسر الوزن. حين لا تكفي الجملة، تتشقق الجملة. حين لا يكفي الوضوح، يأتي الغموض. لكن كل ذلك ينبغي أن يأتي من ضرورة، لا من ترف وأناقة.
ليس المطلوب دفن الحداثة، بل إنقاذها من محترفيها. أن نعيد إليها خطرها الأول، ألمها الأول، أسئلتها الأولى. أن نميز بين الشاعر الذي يغامر لأنه رأى الهاوية، والشاعر الذي يقلد شكل السقوط لأنه يريد صورة جميلة على حافتها.
ولا يتجدد الشعر لأنه يعلن موت الماضي، بل لأنه يخلق حياة جديدة في اللغة التي لا تموت. يتجدد لأنه يذهب به إلى منطقة لم يعرف أنه قادر على احتمالها. 
يتجدد لأن الغموض ضروري أحيانا كليل لا يمكن عبور الصحراء دونه. لكنه بالتأكيد لا يتجدد لأنه يكثر من مفردات الجرح، بل لأنه يفتح الجرح حتى يصبح معرفة.
إن وهم التجديد هو الخلط بين القناع والوجه، بين الصعوبة والعمق، بين القطيعة والحرية، بين الزجاج والنار. أما التجديد الحقيقي فهو أن تأتي القصيدة وفي يدها شيء لا نعرف كيف نرده: 
حقيقة صغيرة عن وجودنا، جارحة بما يكفي لكي تغيرنا، وجميلة بما يكفي لكي نغفر لها قسوتها فلا نعود بعدها كما كنا قبلها.

الخليل بن أحمد

إياد شماسنة