Logo

أدب الجريمة عربياً.. القتل يقرأ الواقع

 أحياناً تكون الحقيقة هي ما يرجو القارئ ألا يعرفه أبداً حتى لا ينتهي التشويق، ورغم أن الكثير من القراء يكتشفون المجرم أو اللغز خلال قراءتهم لرواية بوليسية، إلا أنهم يستمرون حتى الصفحة الأخيرة من أجل الوصول إلى نهاية مؤثرة تقنعهم بصحة تكهناتهم.

 لهذا السبب وأسباب أخرى، يتفوق أدب الجريمة حول العالم في الأعوام الأخيرة، إذ يشهد ازدياداً في مبيعات الروايات. أما عربياً، فيمكن القول إن الجدل بشأن غيابه عن المشهد الثقافي العربي انتهى، بعد انتشار روايات متنوعة لها جمهورها.

المحقق يبحث عن معنى

قبل عام 2020، كان النتاج في أدب الجريمة شحيحاً، وسط تحديات من أبرزها أن مجتمعاتنا وثقافاتنا تتعامل بصورة مغايرة مع مفاهيم الحق والعدالة التي يقدمها أدب غير عربي في الأساس، إذ تحكمها مؤسسات سياسية واجتماعية ودينية مختلفة،

 ربما تحد من مساحة الحرية التي يمكن للكاتب الحصول عليها، ذلك أن رواية الجريمة تستطيع الوصول عميقاً إلى قضايا مثل الفساد والاضطراب الاجتماعي والقمع والظلم، لكن هذه الرؤية أصبحت تتراجع بعد ظهور أسماء وأعمال عربية تحظى بالقراء، لكنها ما تزال غائبة عن النقد.

يشبهها بعض قرائها بأغاثا كريستي، ويرون أن رواياتها تحمل قضايا اجتماعية ورسائل إنسانية ولا تكتفي بالمتعة والتشويق فقط، خصوصاً بعد صدور أحدث رواياتها "ذات الوشاح الوردي" (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2026)، التي تتجاوز فيها الحبكة التقليدية، 

وتبدأها بمشهد مكثف لمقتل فدوى بطلة الرواية، ثم تسرد قصة حياتها عبر استرجاع الأحداث، وصولاً إلى النهاية، حيث يجد القارئ أنه أمام حكاية امرأة لم تستطع تقدير ذاتها، ولا تجاوز معضلات علاقاتها القديمة بالآخرين،

 مما أدى بها إلى مشكلات نفسية واختيارات خاطئة، وسط حالة من العجز طاولتها بعد شعورها أن ما تفعله في حياتها يشكل قيمة لها أو لغيرها، مما قادها في النهاية إلى مقتلها الذي لعبت شخصيتها دوراً كبيراً في حصوله،

 إذ رغم أنها ضحية جريمة، إلا أنها أسهمت في إيذاء نفسها وفقاً لتفاصيل الرواية. 
 
تتناول الكاتبة موضوع البحث عن الذات والمعنى في الحياة عبر رواية أخرى لها أيضاً، هي "ذبابة زرقاء" (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2025) التي تدور أحداثها في مدينة "دهب" المصرية، حيث تصور نهى داود المكان ومعالمه، 

وتركز من خلال اختفاء إحدى الفتيات الأجنبيات، على أثر الماضي ودوره في تغيير مصير الإنسان ومستقبله بسبب أحداث كان جزءاً منها أو شهدها، 

وعادت للظهور بسبب شخص يملك دافعاً للقتل من أجل طوي صفحة من هذا الماضي إلى الأبد، تشجعه رغبات مادية ونفسية تحقق له مجموعة من المكاسب.

وسيلة لقراءة الواقع

لم تعد روايات الجريمة مجرد مغامرة تقليدية تجلب المتعة والإثارة كما في سلسلة "المغامرون الخمسة" الموجهة للمراهقين واشتهرت بقلم الكاتب محمود سالم منذ إطلاقها عام 1968، أو سلسلة "العقرب" للكاتب نبيل فاروق التي انتشرت نهاية الثمانينيات، 

وقدمت أبطالاً شبه مثاليين يبحثون عن العدالة، بل ينخرط الكتاب العرب اليوم في روايات تحاول ملامسة هموم المجتمع من خلال عناصر متنوعة،

 منها بساطة اللغة ووضوحها واقترابها من أسلوب السيناريو السينمائي، من أجل التركيز على القصة والحفاظ على وتيرة التشويق وتسارع الأحداث،

 كما في أعمال المصري أحمد عثمان، الذي يقدم سلسلة روايات بوليسية للجيب، أحدثها رواية حلمي مهران "القضية السابعة- الذئب، دار تدوين، القاهرة، 2025).
 
يمزج الكاتب بين الحبكة التقليدية لمحققه الذي يبحث عن مجرم سيرتكب جريمة من خلال تهديدات يرسلها إلى الضحية المحتملة حازم الشناوي، 

وبين قضايا التفكك الأسري وخلافات الأبناء مع الآباء، من خلال المعاملة السلطوية واللامبالية من حازم مع أولاده وأفراد من عائلته،

 إضافة إلى مسألة الفوارق الطبقية وزيف العلاقات الاجتماعية، والظروف التي تجبر الأفراد على تبني المصالح المادية أساساً في علاقاتهم، إلى جانب تبني الرواية نمطاً يهدف إلى محاولة فهم الواقع بعيداً عن الهلاوس والرؤى التي تنتاب الإنسان نتيجة كبت أحلامه وفشل محاولاته في تحقيقها. 

الحقيقة ليست هوية القاتل

يبدو أن الروايات البوليسية التي تزداد إصداراتها خلال الأعوام الأخيرة، تمكنت من الحصول على قراء، بعد أن خاض كتابها تحدياً مع البيئة الاجتماعية المحيطة، وهو ما تظهره روايات أخرى، منها "وجوه من ورق" (مركز الأدب العربي، القاهرة، 2025) للكاتب السعودي جاسم العرفة،

 إذ يقدم تساؤلات مهمة من خلال شخصية المحققة منى، التي تسير حياتها في اتجاهين، يتضمن الأول منهما اكتشاف أسرار عائلية تخصها، فيما يذهب الثاني إلى تساؤل فكري جوهري حول طبيعة الحقيقة؛ هل ما نراه هو الواقع؟

 أم أننا نعيش في عالم من الورق الذي يمكن إعادة تشكيله أو تمزيقه بسهولة؟
 
تحاول منى إجابة السؤال عبر إعادة تقييم للمؤسسات التي تدير مدينتها، سواء كانت طبية أو قانونية، باحثة عن العدالة من منظور أخلاقي وفلسفي خلال تحقيقها في مقتل فتيات صغيرات، فتصطدم خلال بحثها بعوائق بيروقراطية، وبأوراق وملفات مزورة أو غير كاملة، تمثل رمزاً لإخفاء جريمة ربما يتعاون أشخاص عديدون من أجل طمس معالمها. 

تمثل روايات الجيل الجديد من أدب الجريمة العربي صورة للإنسان المعاصر وهمومه بأساليب متنوعة، منها الثمن الذي يمكن للمرء أن يدفعه مقابل حصوله على المعرفة أو سعيه لتحقيق العدالة أو البحث عن الاستقرار والأمان، 

كما تكشف أيضاً أن الإنسان ليس بمنأى عن المشاكل الاجتماعية المحيطة به، ويظهر هذا أيضاً في كتابات السورية يارا رضوان، مؤلفة سلسلة "هاتف وثلاث جثث" التي صدرت عن دار سين للنشر والتوزيع في القاهرة، 

وتعد أعمالها ضمن الأكثر مبيعاً في المكتبات المصرية، لأنها تتناول قصص جرائم حقيقية تعالجها الكاتبة من جوانب إنسانية وأخلاقية بأسلوب تشويقي نفسي يسهم في منح القراء صورة عن الجرائم والخلل الاجتماعي الذي ربما يؤدي لحدوثها.

عاصف الخالدي