رواية: «تحت قبة سقطرى» … الفرنسية التي بحثت عن المعنى في الشرق
في جزيرة الآلهة، جزيرة الأساطير التي تنبت من تراب الأرض، ثم تفوح في فضاء العالم،
كان هنالك شقيقان، سأل الأكبر الأصغر عما يمكن أن يفرقهما، فقال الأصغر: امرأة. لم يأبه الأكبر للجواب، لكنه سافر إلى قرية أخرى، وتزوج فتاة، وعاد بها إلى قريته.
الأسطورة تواصل السرد: وقعت الزوجة في حب شقيق زوجها الذي ظل يدفعها عنه، بكل الوسائل.
وفي يوم من الأيام عاد الأخ ألأكبر مرة، فوجد زوجته ممزقة الثياب، ممدة على الأرض، وأخبرته – كذباً – أن أخاه حاول الاعتداء عليها، الأمر الذي اندفع معه الأخ الأكبر، نحو أخيه الذي كان يحلب الأبقار، وأخذ يقطع أوصال أخيه، تنفيذاً لطلب زوجته التي طلبت قطع يد الأخ الأصغر.
وتمضي الأسطورة: وفيما الأخ الأصغر يجود بأنفاسه ذكّر أخاه بنبوءته، عندما قال: إن «امرأة تكون سبب الفرقة»، و»هكذا تجذرت الأسطورة» التي بموجبها نبتت شجرة دم الأخوين، من الدم المسكوب، تلك الشجرة التي ينزف ساقها سائلاً أحمر يعالج الآلام، حيث تخفف الشجرة بآلامها آلام الآخرين.
أسطورة قتل نتج عنها ميلاد شجرة، تماماً كما ارتبط الزواج بالقتل بالميلاد، في قصة ابني آدم اللذين قتل أحدهما الآخر، بسبب تنافسهما على قلب أنثى، حسب السرد الأسطوري، عن هذين الأخوين اللذين سجل دم أحدهما أول جريمة قتل على وجه الأرض.
أما الروائية الفرنسية فابيين هيربان، مؤلفة رواية «تحت قبة سقطرى»، التي ترجمها للعربية جساس أنعم، والصادرة ترجمتها عن دار عناوين،
فقد حولت «شجرة دم الأخوين» إلى أهم شخصيات الرواية، فهي حكيم أسطوري يومئ بالحكمة، ولا يصرح بها، شيخ جليل، مهيب يلتفع بجلال الصمت، وهو صمت الحكماء الذي يتراءى في شجرة غامضة، مرتفعة، شاهقة، على شكل قبة روحية، أو طائر أسطوري.
هذه الشجرة هي الإشارة التي ألمح إليها جد فلور بطلة الرواية، وهو يموت، مشيراً إلى أن تلك الشجرة هي التي ستخبر فلور عن أمها إيرين التي اختفت منذ سنوات بعيدة، وأصبح على فلور البحث عنها، أثناء تنقلها عبر البلدان والثقافات والشعوب، إلى أن وصلت إلى تلك الشجرة التي تتطابق مع وصف الجد الراحل.
تحضنها فلور، وتتوسل إليها، وتتوعدها أحياناً، لأنها «تحجب الحقيقة عنها»، حقيقة الأم الغائبة، أو السر الغامض، أو المعنى الكامن وراء الحياة.
وهي الشجرة ذاتها التي تحاورها – في موضع آخر – إيرين «الأم» الهاربة من حب قاتل، تحت سطوة عرافة طلبت منها ذلك، حيث انطلقت تبحث عن شغف خاص، وحلم ذاتي ظلت تتبعه إلى أن ساقها حلمها إلى تلك الجزيرة النائية، وسط الموج والعواصف والأساطير، وضجيج الأطفال.
تقول إيرين لإيريك الذي بادلته شعوراً جميلاً: قبلك لم يكن يعرف قصتي إلا «دم الأخوين»، وكنت أعرف قصتها، بكل ما فيها من ألم تحمله جذورها، بعد صراع دموي بين أخوين».
إنها مرة أخرى، قصة الحب المرتبط بالدم، قصة إيريك وإيرين ودم الأخوين. هنا إيرين تلتحم بالشجرة، وتلتحم بالأسطورة، وتتوحد مع إيريك والشجرة والأخوين، في سيمفونية واحدة، انطلقت وراءها، لتستقر معها في بطون الأودية، وبين الهضاب الصخرية والجبال والشواطئ، وأغاني القرويين،
في هذه الجزيرة النائية التي تحوي الشجرة التي ستكون كذلك شاهداً على قصة حب أخرى، حب صامت مقترن بالموت، بين فلور وجمال الذي التهمته الأساطير والأمواج، في عمق المحيط، من دون أن يدري أحد أين ذهب به الموج.
تدور أحدث الرواية حول فتاة فرنسية اسمها فلور تنطلق في رحلة بحث مضنية، فيها مغامرة، وبحث عن مجهول، وإصرار ومتعة، وخوف، ومشاعر متضاربة، ومزاج متقلب، وحب غامض، وسحر كثيف، وأسطورة خاصة.
فلور تنتقل عبر المكان من بروناي إلى سلطنة عمان، ثم سقطرى، حيث تلقي عصا الترحال، وتلتقي بأمها التي اختفت فجأة وتركت زوجها وطفلتها، وانطلقت نحو حلمها الخاص، حيث تجسد رحلتا البطلتين: البنت والأم انعكاساً لسفر آخر عبر الزمن، وعبر الروح، في العالم الجواني للإنسان الذي يسافر دائماً بحثاً عن شيء ما.
هذا الشيء قد يكون عشبة الخلود، كما في ملحمة جلجامش، الذي حاول بعد موت صديقه «إنكيدو» البحث عن «الخلود»،
وقد يكون ذلك الشيء كنزاً مدفوناً تحت أهرامات مصر، كما في حالة الراعي الأندلسي عند باولو كويلو، في «الخيميائي»، أو قد يكون ذلك المفقود «خنجر العم»، كما في الرواية الثانية من ثلاثية فابيين هيربان «أبواب المحال»، أو إيرين،
كما في رواية «تحت قبة سقطرى».
هذا المفقود هو في حقيقته يتجلى في أشياء مختلفة، ولكنها مظاهر لجوهر واحد، جوهر الإنسان الذي يبحث عن ذاته، عن روحه، عن الجنة، عن المقدس، عن الله، لأنه يشعر بأنه غير مكتمل، وأنه بحاجة دائماً إلى من يسند روحه، يؤنس وحشته، فيلجأ إلى «عشبة الخلود»، حيناً، وإلى «شجرة دم الأخوين»، حيناً آخر.
فلور انطلقت في رحلة البحث عن أمها إيرين التي هربت من حب الآخر (كومي) إلى تحقيق شغفها الذاتي، إلى المجهول، بحثاً، بدورها، عن حلمها الخاص، وتبعتها ابنتها تبحث فيها عن الحلم الضائع.
قد تبدو الرواية ضرباً من أدب الرحلات، فيضاً من الدراسات الثقافية،
قد يستفيد منها السائح الذي يريد زيارة الجزيرة، أو الباحث الذي يريد أن يغوص في أعماق التراث الثقافي السقطري، لكن الرواية أعمق من ذلك بكثير، إذ هي رحلة روحية، مفعمة بالدهشة الساحرة والغموض اللذيذ، والحكمة البالغة، والشغف والمغامرة وكل المشاعر التي تفتح النفس على عوالم روحية ثرية.
يقول الجد لفلور: «سافري، لتبحثي عنها (الأم)، في جزيرة ساحرة، حيث تنمو شجرة فريدة ونادرة، لا مثيل لها»، وهنا نستحضر تاريخاً من السفر، عبر ثقافات متعددة، ونرى المسافرين والحجاج، والذاهبين بعيداً وراء أحلامهم، وهم يتجاوزون الصعوبات، مفعمين بأجواء من السحر والرغبة والاندهاش، باحثين عن المعنى الكبير.
وتتجلى انزياحات الرواية من الدنيوي الفيزيائي إلى الماورائي الميتافيزيائي، في تصورات شخصيتي جمال وفلور للعالم، فجمال الذي يحب فلور يبدو شاباً منضبطاً، وذكياً، ولكن في حدود العالم الملموس، كونه طبيباً، فيما فلور تنطلق وراء المادة، لاكتشاف ذاتها،
ولهذا عندما تساءل جمال عن شجرة دم الأخوين السقطرية: بأي قانون فيزيائي تقاوم كل هذه الأشجار هذا الارتفاع الوعر، والصخور المتداعية»؟ «ابتسمت فلور وغمغمت، وهي تغوص بعين خيالها، في عالم آخر: أو بأي قانون لا فيزيائي؟
إذا إن فلور التي انشدهت ـ في سياق السرد ـ بالشكل الفيزيائي للشجرة، حولت شكلها إلى (قبة)، بما تحويه القبة من إيحاءات روحية، تنفتح على السماء (القبة الزرقاء)، والأفق والعوالم الماورائية، والدين وكل ما له صلة بالروح.
وفي موطن آخر من الرواية تقول فلور لجمال: «سواء صدقت أم لا، فنحن الآن ندخل عالم الأساطير»، فيما جمال ينظر إليها «بريبة»، في انعكاس لشخصيتين، إحداهما مباشرة قريبة التصورات، بحكم مجالها المعرفي،
والأخرى غرائبية، تميل إلى اجتياز عالم المادة إلى الروح، متعمقة فيما وراء القشرة من لباب المعاني، وإيحاءات الأساطير.
وفي تأكيد على المنحى الماورائي للمعنى الأساس في الرواية تتحدث فلور مع عيسى، أحد شخوص الرواية عن طائر الفينيق الأسطوري، الذي ينبعث من رماده،
ويقول لها عيسى إن موطنه الأصلي كان سقطرى، فيما هي تستذكر ذكريات طفولتها، مع إيفونا التي كانت تقرأ لها مغامرات السندباد، وحكايات ألف ليلة وليلة،
فيما الفتاة مسحورة بالشرق وأساطيره، في انعكاس لدهشة الغربي الذي فتنه الشرق بسحره وغموضه وإيحاءاته الكثيرة،
كما لدى الشاعر الفرنسي فيكتور هوغو في ديوانه الشهير «الشرقيات»، وكما عند غوته في «الديوان الغربي الشرقي»، وكذا نيكوس كازنتزاكس الذي صرخ يوماً: «روحي مثل روح المسلم عندما يصلي، متجهة نحو الشرق».
تدس الكاتبة في أثناء السرد بعض الأقوال الخالدة، تسوقها على لسان بعض شخوص الرواية مثل: «الأشياء الجميلة تأتي، حين لا تنتظرينها»، التي قالتها مارغريت لفلور، واسترجعتها فلور، لكي تخرج من حالة من الشعور باليأس والوحدة، حيث سردت مارغريت شيئاً من ثقافة اليابان، ضمن رواية تحوي الكثير من ألوان الثقافات من العربية إلى الإغريقية، وثقافات شرق آسيا، وغيرها.
ومن العبارات السائرة في الرواية قول فلور لإيرين التي لم تكن تناديها «أمي»، لأسباب معروفة: «الحب المحموم لا وجود له في المجتمعات التقليدية إلا قليلا. هل تعرفين لماذا؟
لغرض بسيط اسمه البقاء، واستمرار السلالة». وتدس الكاتبة كذلك مقولة لاو تسو، الأب المؤسس للطاوية: «البساطة حكمة، أصبو إليها، تطرد الكساد، وتجلب النعمة، وتخلو من الرغبات».
وتنتشر في الرواية فكرة روحية، هي التطهر من خلال الألم، وهي فكرة شرقية منتشرة، ضمن أكثر من فلسفة ومذهب فكري أو ديني،
حيث تقول فلور لإيرين: «لقد دفعت ثمن ذنبك بمنفاك، ويجب علينا كلتينا الآن أن نتأمل، في طريقة نبرئ بها أنفسنا، ونعود بها إلى الحكمة»، وتواصل فلور سرد حكمها البالغة بقولها لإيرين: «الزمن فقط كفيل بأن يداوي كل شيء».
ولا يمكننا تجاوز هذا القول اللامع في سطور الرواية: «إذا كان العقل لا يموت، فلماذا إذن نبحث عن الخلود»، وكذا «أيمكنك إذن أن تكوني الشجرة التي تجسد الأبد»، في إشارة ذكية للهدف الأسمى للإنسان،
والغرض الرئيس في الرواية، وهو البحث عن الخلود. وبما أن الرواية تسرد حكاية امرأتين غربيتين تبحثان عن حلميهما في الشرق، فقد راق للكاتبة أن تورد بعض الشعر السقطري، عن المرأة، مثل القصيدة التالية:
المرأة نجمة البيت.
تمشي وكأنها سحابة مطر.
خلق الله هذه المرأة.
وحين تجلس بين النساء، تكون مختلفة عنهن.
تعرف كيف تختار أفضل الطعام.
أنت مجنون بحبك لهذه المرأة.
جسدها كالتمرة ـ بطعم فريد ألذ من التمرات.
لا يهمني إن وصفوني بالجنون، فأنا اختار الأفضل.
أشبهها بالمانجو، خير الثمار.
سأحملها في قلبي، وستسكن السكينة عينيَّ.
* د. محمد جميح
سفير اليمن لدي اليونسكو