الرواية لا توقف الحرب… لكنها تفضحها
يُروى في التاريخ الأدبي الأميركي، وربما في التاريخ الأدبي كله، أن رواية «كوخ العم توم» لهارييت بيتشر ستاو، لم تكن مجرد كتاب ناجح، بل كانت حدثاً سياسياً وأخلاقياً هزّ الولايات المتحدة من الداخل.
ويُروى أيضاً أن الرئيس أبراهام لنكولن استقبل الروائية قائلاً لها، في العبارة التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الثقافية الأميركية،
إنها تلك السيدة الصغيرة التي أشعلت هذه الحرب الكبيرة. سواء قيلت العبارة بهذه الصيغة أو قريبة منها، فقد استقرت في المخيلة العامة لأنها بدت مناسبة تماماً لحجم الأثر الذي أحدثته الرواية، ولأنها منحت الأدب، ولو للحظة، هيبة قوة قادرة على دفع التاريخ إلى الانعطاف.
صدرت «كوخ العم توم» في منتصف القرن التاسع عشر، في لحظة كانت فيها قضية الرق تخترق الضمير الأميركي وتشق المجتمع بين شمال وجنوب، بين من يرى العبودية جريمة أخلاقية لا يمكن احتمالها، ومن يعدّها جزءاً طبيعياً من النظام الاقتصادي والاجتماعي.
جاءت الرواية لتضع هذا الصراع أمام الناس في صورة حية ومؤلمة، لا بوصفه خلافاً دستورياً أو نزاعاً بين نخبة سياسية، بل بوصفه مأساة بشرية داخل البيوت، وفي المزارع، وعلى الطرق، وفي قلب العائلة نفسها.
لقد أعطت العبيد وجهاً وصوتاً ودموعاً وأسماء، وحوّلت ما كان يمكن أن يبقى في لغة الجدل النظري إلى مشاهد لا تُنسى.
وهنا تكمن فرادة هذه الرواية؛ فهي لم تؤثر لأنها كانت بياناً سياسياً، بل لأنها كانت رواية؛ أي لأنها دخلت إلى القارئ من باب العاطفة والخيال والضمير، لا من باب الخطابة وحدها.
لقد جعلت الناس يرون ما كانوا يعرفونه من قبل، ولكنهم لم يروه حقاً. وهذا هو الفارق الذي يصنعه الأدب أحياناً: لا يكتفي بأن يقول إن الظلم موجود، بل يجعل القارئ يشعر بأنه يلمسه بيده.
ومن هذه الزاوية، بدت «كوخ العم توم» استثناء نادراً، حتى خُيّل لكثيرين أن رواية واحدة استطاعت أن تدفع بلداً بأكمله إلى مواجهة مصيره.
لكن هذه الحكاية، على جمالها وفتنتها، تكشف حدود الأدب بقدر ما تكشف قوته. فالرواية قد تسرّع الوعي، وقد تفضح الشر، وقد تخلق مناخاً أخلاقياً جديداً، لكنها لا توقف الحرب حين يكون القرار قد اتُّخذ.
لا رواية واحدة ولا ألف رواية، استطاعت أن تمنع السياسيين من خوض حرب يريدونها، أو يعتقدون أنهم يحتاجونها، أو يجدون فيها مخرجاً لمأزق أكبر. الأدب قد يربك السلطة، لكنه لا يقود الجيوش،
وقد يحرج الضمير العام لكنه لا يسحب الصواريخ من منصاتها، ولا يعيد المسيّرات إلى مخازنها، ولا يطفئ حرائق المدن حين تبدأ السماء بإسقاط نارها.
من هنا يبدو مأزق الروائي في زمن الحرب مأزقاً قديماً ومتجدداً. الناس يريدون منه موقفاً، وربما يريدون منه بياناً واضحاً وسريعاً وصارماً، يريدون أن يعرفوا: أين يقف؟ مع من؟ ضد من؟
ماذا يقول عن هذه الحرب التي تدور فوق الرؤوس، وعن الصواريخ التي تعبر السماء، وعن المدن الآمنة التي لم تعد آمنة، وعن منافذ الطاقة والغذاء والسفر التي صارت أهدافاً مباشرة؟
لكن السؤال نفسه قد يكون قاسياً أحياناً على طبيعة الكاتب. فالروائي ليس وزير خارجية، ولا قائداً عسكرياً، ولا محللاً استراتيجياً محترفاً. مهنته الأولى أن يصنع نصاً جمالياً، أن يلتقط الإنسان تحت الركام، أن يمنح اللغة قدرة على قول ما تعجز عنه البيانات الرسمية.
وإذا كان يدرك تماماً أن رأيه لن يوقف طلقة واحدة، فقد يختار أن يحتفظ به لنفسه؛ ليس لأن اللامبالاة تملكه، بل لأن الضجيج قد صار جزءاً من الحرب نفسها.
وفي أزمنة كهذه، يصبح الصمت أحياناً نوعاً من الاحتجاج. الصمت ليس دائماً فراغاً وليس دائماً هروباً، قد يكون امتناعاً عن تكرار اللغة الجاهزة، ورفضاً لتحويل الألم الإنساني إلى مادة للبلاغة العاجلة.
من الصعب أن نعثر على روائي كبير يكون سعيداً بالحروب والحصارات وقصف المدن وتهديد مسارات الغذاء والطاقة والسفر وتعطيل حياة الناس الذين لا شأن لهم بالمناورات الكبرى.
الكاتب الحقيقي، بحكم حساسيته نفسها، يرى أولاً ما يصيب البشر العاديين: الخوف، الانتظار، انقطاع الكهرباء، ارتباك الأطفال، ارتجاف الأمكنة، وهشاشة الحياة حين تتحول السماء إلى مصدر تهديد يومي.
ولذلك، لم تكن مواقف الروائيين من الحرب دائماً على شكل بيانات مباشرة؛ فبعضهم كتب ضدها من داخل النص نفسه، وبعضهم حاصرها بالسخرية، وبعضهم كشف كذب البطولة الرسمية، وبعضهم اختار التلميح والصمت والانحياز إلى الإنسان لا إلى الراية.
إرنست همنغواي، مثلاً، خرج من تجربة الحرب وهو أكثر شكاً في الكلمات الكبيرة التي تُستخدم لتجميل الموت. في عالمه السردي، بدت الحرب آلة لسحق الجسد والوهم معاً، وبدا المجد كلمة باردة حين تُقاس بالأطراف المبتورة والقلوب المنهكة.
أما إريك ماريا ريمارك، فكتب عن الحرب بوصفها طاحونة تطحن جيلاً كاملاً، لا باعتبارها مسرحاً للشجاعة فقط، بل باعتبارها خراباً يبتلع الشباب والمعنى والبراءة في وقت واحد.
وكتب ألبير كامو من جهته، ما معناه أن مهمة الكاتب ليست خدمة من يصنعون التاريخ، بل الوقوف إلى جانب الذين يسقط التاريخ فوق رؤوسهم.
ضمن هذا السياق، تبرز فرجينيا وولف كحالة مختلفة ومضيئة؛ لم تندفع إلى كتابة أدب حربي مباشر بالمعنى التقليدي، ولم تتعامل مع الحرب على أنها مناسبة لإظهار الحماسة الوطنية أو إنتاج نص تعبوي.
كانت ترى الكارثة من زاوية أخرى أعمق وأشد توتراً، كانت ترى كيف تدخل الحرب إلى العقل، إلى البيت، إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى اللغة نفسها.
لم تكن بحاجة إلى أن تصف الجبهة حتى تقول الحرب، ولم تكن بحاجة إلى مديح الشجاعة العسكرية حتى تكشف مقدار العطب الذي تُحدثه القوة حين تصبح قيمة بحد ذاتها.
عاشت وولف زمن الحرب في إنكلترا، ورأت كيف تقترب القنابل من الأرياف والبيوت والحياة اليومية. ومع ذلك لم تسلك الطريق المتوقع من الكاتب في أوقات التعبئة العامة، ولم تكتب كما لو أن الأدب نشرة تعبئة، ولم تُسلّم لغتها للخطاب السائد.
كانت تميل إلى التقاط ما تفعله الحرب بالنفوس، بالقلق، بالهشاشة، بالزمن الداخلي للإنسان. في أعمالها يظهر التوتر عميقاً، غير معلن أحياناً، لكنه حاضر مثل شق في الجدار لا يغيب.
كانت تعرف أن الحرب لا تبدأ فقط حين تنفجر القذائف، بل قبل ذلك بكثير: تبدأ في بنية السلطة، في الثقافة الذكورية المغلقة، في عبادة السيطرة، في تحويل العنف إلى فضيلة وطنية.
ولهذا كان صمتها الظاهر أبلغ من ضجيج كثيرين. كانت تكتب ضد الحرب من حيث لا تبدو الكتابة ضدها مباشرة، كانت ترفض منطقها لا مجرد وقائعها، كانت تحفر تحت السطح، في الطبقات التي تُنتج التدمير قبل أن يظهر التدمير في الشوارع.
وهذا ما يجعل موقفها أكثر حداثة وأشد إزعاجاً:
فالحرب عندها ليست فقط معركة بين جيوش، بل نظام ذهني وأخلاقي كامل. ومن هنا تصبح مقاومة الحرب عملاً ثقافياً أيضاً، لا مجرد موقف آني من معركة بعينها.
هكذا نعود إلى «كوخ العم توم»، لا بوصفها دليلاً على أن الرواية تستطيع أن توقف الحروب، بل بوصفها دليلاً على أن الرواية تستطيع أن تغيّر طريقة النظر إلى الظلم، وهذا ليس أمراً قليلاً.
الأدب لا يفرض وقف إطلاق النار لكنه يفضح الأكاذيب التي تُطلق النار باسمها، لا يملك سلطة إيقاف الجيوش لكنه يملك سلطة نزع الشرعية الأخلاقية عن المذبحة، لا يملك صواريخ ولا طائرات لكنه يملك الذاكرة،
والذاكرة في النهاية هي العدو الأشد إقلاقاً لكل من يريد للحرب أن تُنسى سريعاً وتُروى لاحقاً بوصفها ضرورة أو بطولة أو قدراً لا بد منه.
ربما لهذا السبب بالذات يبقى الروائي في موقع حرج وعالي القيمة معاً. قيمته لا تأتي من قدرته على تغيير القرار العسكري، بل من عجزه النبيل عن مجاراة اللغة التي تبرر الموت.
إنه لا يوقف الحرب نعم، لكنه يمنعها من أن تربح بالكامل؛ يمنعها من أن تفرض روايتها الوحيدة على العالم، يترك شاهداً في وجه الخراب ولو كان هذا الشاهد مجرد جملة، أو شخصية، أو صمتاً مدروساً، أو رواية تخرج من قلب القرن لتبقى أطول عمراً من المدافع التي دوّت حولها.
وهذا، في زمن الصواريخ والمسيّرات والخرائط الملتهبة، ليس أمراً هامشياً؛ لأن العالم لا يحتاج فقط إلى من يشرح أين سقط الصاروخ، بل إلى من يذكّر بأن تحت الصاروخ حياة كاملة كانت تمضي في أمانها العادي قبل أن تقرر السياسة أن تحوّلها إلى خبر عاجل.
الرواية لا توقف الحرب، لكنها ترفض أن تسمح لها بأن تبدو طبيعية. وهذا ربما أعظم ما يستطيع الأدب أن يفعله.
شهد الراوي