كأنه صدام حضارات
ليست القضية ما إذا كان صامويل هنتنغتون صاحب الكتاب المثير للجدل «صدام الحضارات « كان مصيباً في رؤاه الممسوسة بشياطين المعرفة المرتبطة بالقوة والسلطة، التي تجلت استشراقاً استعمارياً ما فتئ يتجدد ويتمدد بأشكال وأدوات جديدة،
إذ القضية هي في الأساس تلك المنظومة المعرفية الغربية بحمولتها الأمريكية، التي استوردت عبء الرجل الأبيض الأوروبي، وأحالته إلى حجج أخلاقية مفادها،
أن عجلة التاريخ وهبت الولايات المتحدة الأمريكية الدور الإمبريالي الجديد، ألا وهو قيادة العالم بأي ثمن كان من هاوية إلى أخرى، والسعي الدائم نحو المزيد من العربدة باسم دبلوماسية، رسم ملامحها هنري كيسنجر، ليخفي بأناقتها الوجه الحقيقي والبشع لأسمى وأعلى مرحلة من مراحل الرأسمالية بصيغتها الأمريكية .
غير أن ما يعتمل الآن في العالم من صراعات وسياسات جديدة، ليست بحاجة إلى تعبير آخر سوى الشعبوية والترامبية، ومن هنا لا يتوقف الأمر عند دوافع و اهداف صراعات دونالد ترامب المعلنة،
بل يجب الحفر باستخدام معول هنتنغتون للكشف عن تلك التربة الخصبة التي تترعرع فيها هذه السياسات الجديدة، أو التي نزعت عن ملامحها الخفية قناع أصول وبروتوكولات السياسة والدبلوماسية،
واهم من يعتقد أن ترامب هو وحده من يؤدي العرض منفرداً، إذ هو طاقم كامل من الباحثين والخبراء والدجالين والمنافقين والساعين نحو إحقاق الخير والسعادة للبشرية، من خلال هزم الشيطان والشر الأكبر، المتمركز شرق الفيلم السينمائي الشهير «سيد الخواتم» the lord of the rings.
هنا يكمن الصدام الأساسي الذي تجلى حضارياً في توقيت اندلاعه، حين أجبر ترامب العالم العربي والإسلامي على متابعة مسلسل رمضاني مفعم بالإثارة والحركة،
هنا الصدام، بلى حين يجري اقتحام الزمن الديني والثقافي والحضاري للأمة العربية والإسلامية والعبث به وانتهاك حرمته،
والمسألة لا تتمحور فقط بعدم احترام مشاعر المسلمين في رمضان، إن كانوا في إيران، أو في الخليج، إثر تداعيات الحرب، بل تتعداها إلى أن الخير يجب أن ينتصر على الشر،
وهذا الشر هو شرٌ بربري وهمجي فارسي تارة، وعربي تارة أخرى، ولا أخلاق تكمن في الشر، ولا ملامح ولا إنسانية، بل مجرد مسوخ بلا وجوه، إنها المشهدية الدرامية المكثفة الهاربة من سينما الوعي الغربي الكولونيالي، الذي بات لا يخجل من استعادة رؤى الخلاص لدورها في التجهيز لنهاية العالم، وفق الإطار الأبوكاليبسي.
ليفجر هذا الصراع صراعات أخرى في منطقة الشرق الأوسط على الأقل، استحضرت هي الأخرى معظم أرواح التاريخ العربي والإسلامي، التي تراقصت ما بين فُرسٍ وعرب وترك ويهود ومشارقة ومغاربة، وكل ما يكفل الإمعان في تفكيك واختراق العالم العربي والإسلامي، بصورة تؤدي إلى تنفيذ مآرب الخلاص النهائي المنتج إمبريالياً.
إن ما يجري الآن في الشرق الأوسط، ليست حرباً كلاسيكية تدور رحاها بين جيوش جرارة، وتنتهي بإعلان انتصار من جهة واتفاقية هزيمة واستسلام من جهة أخرى، إنها مرحلة جديدة في تاريخ الصراعات وأولويات الهيمنة والسيطرة، وإعادة تموقع واصطفاف ما بين هنا وهناك،
ولربما كانت الحرب الحقيقية وما زالت حربا ثقافية وحضارية تعتمل في الوعي واللا وعي المعرفي والوجداني والرسمي والشعبي، ما بين جميع الأطراف المتنازعة،
ولربما أيضاً ستندلع الحرب الحقيقية بعد نهاية هذه الصراعات بصورتها الحالية وذلك بعد اكتمال الرؤية العامة لمفهوم من مع من؟ ومن ضد من؟
وبالتالي ليست القضية مرة أخرى ما إذا كان هنتنغتون مصيباً أم لا، بل القضية تكمن في إيمان الغرب بصيغته الترامبية المتراوحة بين رؤى دينية خلاصية، وأخرى رأسمالية سينمائية بهذه الرؤية المتمثلة في أن الغرب هو أصل كل خير، والشرق هو أصل كل شر.
باسم خندقجي