Logo

رمضان في القصيدة الخليجية.. من النور القرآني إلى دفء المجالس

 ليس رمضان في الوجدان الخليجي شهر عبادة فحسب، بل موسم لغة، وذاكرة، وصوت يرتفع من المنابر كما يرتفع من القصائد.

في هذا الشهر تتبدل إيقاعات الحياة، وعند الشعراء تتحول المفردات اليومية إلى طقس شعري؛ فكل شيء يلهب المشاعر لتفيض بقصيدة، الهلال وقدومه، والقمر واكتماله، والبدر ونوره، والمساجد المكتظة بالمصلين، وطقوس رمضان واجتماع الأحبة فيه.

ولعل الشعر كان أكثر الفنون قدرة على التقاط هذه التحولات، وتحويلها إلى صور وأصوات باقية صداها تتناقلها الألسن والمنتديات وصفحات الكتب والصحف والمواقع.

في التجربة الخليجية يبرز رمضان بوصفه فضاءً جامعاً بين الروحي والاجتماعي؛ فهو شهر المغفرة كما هو شهر اللقاء، وشهر التراويح كما هو شهر المدفع والموائد والطفولة.

لذلك تنوّعت صوره في الشعر بين الابتهال والفرح، بين التأمل الأخلاقي والحنين إلى الأزمنة البسيطة، وبين خطاب إصلاحي يدعو إلى تهذيب النفس ومقاومة نزواتها.
 
شهر النور والتهذيب

في القصيدة العمودية يبدو رمضان غالباً في صورة كونية واسعة، حيث يتحول الشهر إلى نهرٍ من العذوبة، أو إلى موسم أنوار تتجدد فيه القيم.

يقول الشاعر السعودي محمد علي السنوسي مخاطباً الشهر:

رمضان يا أمل النفوس الظامئات إلى السلامْ

يا شهرُ بل يا نهرُ ينهل من عذوبته الأنام

طافت بك الأرواحُ سابحة كأسراب الحمام

رمضان نجوى مخلص للمسلمين.. وللسلام

في هذه الأبيات لا يكتفي الشاعر بوصف الصيام عبادة، بل يجعله حالة تحرّر؛ الأرواح "سابحة" كأسراب الحمام، منطلقة نحو السلام.

التشبيه هنا يشي بما يختلج في صدر الشاعر من توق إلى الطمأنينة الجماعية، وكأن رمضان فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين المجتمع والعالم. 

وفي قصيدة ترحيبية كتبها نائب رئيس الإمارات حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم يقول:

أقبلْ كأجمل ما يكون الموعدُ

وانشر ضياءك للأنام ليهتدوا

رمضان يا شهر العبادة والتقى

لاقتك أرواحٌ بنورك تشهدُ

بك أنزل الله الكتاب مباركاً

آياته أنوارهـا تتجددُ

تعود هنا رمزية القرآن والنور. النور ليس فكرة مجردة، بل ضياء يُنتظر، وأرواح تشهد، القصيدة تستبطن تصوراً لرمضان بوصفه قائداً معنوياً للمجتمع، يجمع الناس حول معنى مشترك.
 
أما الشاعر السعودي عبد الرحمن العتل فيقدّم صورة تربوية للشهر:

هو موردٌ للظامئين وكوثرٌ

عذبٌ يفيض بزاخر النعمات

ومهذبٌ للناس في أخلاقهم

ومؤدبٌ للقول والرغبات

هنا يتحول رمضان إلى "كوثر" أخلاقي؛ ليس فقط في كبحه للشهوة، بل تهذيباً للقول والرغبات.

ما يخفيه النص هو إيمان عميق بأن الصوم مدرسة سلوكية، وأن المجتمع يمكن أن يُعاد تشكيله عبر طقس جماعي يدرّب الناس على الانضباط الداخلي.

وفي قصيدة "تحية رمضان" للشاعر الكويتي يوسف الرفاعي تتجلّى رمزية القرآن بوضوح:

شُـرفـت يا رمضان باليوم الذي 

فيه تنزّل طاهر الصفحاتِ

آياته تُتلى فترفع راية الحق

المبين وتدحر الظلماتِ

القرآن هنا ليس مجرد ذكرى نزول، بل راية حق تقاوم الظلمات، والقصيدة تعكس نزعة إصلاحية واضحة؛ فالشاعر يرى في تلاوة القرآن فعل مقاومة أخلاقية، وفي التدبر تحصيناً من "النزوات"، 

كما يقول في بيت آخر. إنه رمضان بوصفه مواجهة بين نور وظلام، بين هدى وانحراف.
 
وفي نبرة ترحيبية أقرب إلى الاحتفال يقول الشاعر السعودي إبراهيم جعفري:

أَهْلًا بِهِ، خَيْرِ الشُّهُورِ جَمِيعِهَا

رمضانُ أقبلَ، موسمَ الغفران

رمضانُ للنفسِ الأمانُ ربيعُها

هو بهجةٌ للأرضِ للإنسانِ

تبدو القصيدة هنا أقرب إلى خطاب جماعي يعلن قدوم الربيع الروحي "ربيع النفس" استعارة تختزن شوقاً إلى التجدد؛ فالشاعر يصف لحظة انتعاش معنوي ينتظرها الناس كما ينتظرون المطر.

ولا يخلو الشعر العمودي من لمسة إنسانية يومية، كما عند الشاعر الكويتي فيصل الخياط الذي يقول بروح ساخرة:

ألا يا صاح أتعبنا الدوامُ

أفي رمضان إذ حلّ الصيامُ؟

أنذهب دون نومٍ؟ نحن عطشى

وغرثى، ليس يسعفنا الكلامُ

هنا يطلّ رمضان من نافذة الحياة العملية؛ الصائم الموظف، تعب النهار، والرغبة في النوم، فالمسلم في هذا الشهر يتوق ويمنيّ النفس أن يجعل ساعات اليوم كاملة للعبادة، لكن من يرتبط بعمل أو وظيفة سيكون مجبراً على أن يخصص وقتاً من هذا الشهر لعمله.  
 
في الشعر الشعبي والنبطي 

إذا كان الفصيح يركز على الرموز الكبرى، فإن الشعر الشعبي والنبطي ينزل إلى تفاصيل المجالس، والأطباق، وأصوات المؤذنين. 

وإذا كان الشعر العمودي قد حافظ على نبرة الاحتفاء الرسمية واللغة المحلاة بالمجازات الكبرى، فإن الشعر الشعبي والنبطي اقترب أكثر من تفاصيل الحياة اليومية، فالتقط أصوات البيوت، وضحكات الأطفال، وتعب الصائمين، ودفء المجالس.

تقول الشاعرة الكويتية معربة الجدين:

حي من صلى صلاته للقيام

وحي من جد بصيامه واستعد

حي شهر المغفرة شهر الصيام

وفي رحابه عن بعض ما نبتعد

القصيدة خطاب تحفيزي مباشر أقرب إلى نداء جماعي في مجلس أو مناسبة، ما تخفيه الأبيات هو رغبة في ترسيخ القيم عبر لغة قريبة من الناس.

أما الشاعر الإماراتي عبيد بن محمد النيادي فيقترب من تفاصيل الفريضة:

ويدّي فروضه كامله بالدلايل

وكل فرض له مذّن ينادي مناداه

زكاه مفروضه على كل نايل

ومبخوت يلّي عدّ ماله وزكاه

صوم رمضان بشوف لا تكون مايل

وعلى طريق الحق صومه بروياه

النص هنا يربط الصوم بالصلاة والزكاة، في بنية متكاملة للعبادة، ليس ذلك فقط بل يذهب الشاعر خلف هذه الأبيات داعياً للاستقامة، وتذكير بأن الصوم ليس امتناعاً عن الطعام فحسب، بل التزام بطريق الحق.
 
وفي مشهد أقرب إلى الحنين الشعبي، يكتب الشاعر البحريني عبدالرحمن رفيع:

يا هلا بك يا رمضان

يا شهر كلك أناسه

يا صحن عامر وكاب متروس وطاسة

أولك فرحة جديدة

وآخرك أيام سعيدة

كل سنة أتذكرنه بأيام الطفولة

والأنـاشيد الجميلة

يا قمر نص الشهر

يا فرحة الدار والجهال

هنا يتسع رمضان ليصبح ذاكرة جماعية: "صحن عامر"، "قمر نص الشهر"، "فرحة الدار". 

يتحدث الشاعر عن الألفة، فاضحاً ما يختلج في صدره من حنين واضح إلى زمن الطفولة، حين كان الشهر طقساً عائلياً بسيطاً، تغلب عليه البراءة والدهشة.

بين القصيدتين 

من خلال هذه النماذج، تتشكل صورة مزدوجة لرمضان في الشعر الخليجي، في العمودي الفصيح، هو شهر النور والقرآن، موسم الغفران، ومدرسة الأخلاق؛ خطاب يرتفع إلى مستوى الأمة والإنسانية.

أما في الشعبي والنبطي، فهو شهر البيت، والمائدة، وصوت المؤذن، وذكريات الطفولة، والطقوس القديمة التي تُستعاد في زمن التحولات السريعة.  

كلا المستويين يكمل الآخر؛ فالفصيح يمنح الشهر هيبته الرمزية، والنبطي يمنحه دفئه الإنساني، 

وبين هذا وذاك يظل رمضان في الشعر الخليجي أكثر من كونه تغني بشهر فضيل هو الأفضل بين الشهور، بل بما يحمله من عبق ومعانٍ روحية وإنسانية، يوصله الشعراء في كلمات بسيطة سهلة غير مقعدة.