تراث الموّال الشامي.. من المخطوطات المنسية إلى البحث الأكاديمي
بينما احتفت الكتب والمخطوطات التاريخية بالشعر الفصيح والموشحات، بقي سؤال جوهري يطارد الباحثين: أين ذهبت مواويل الناس، وقصائد الزجالين، وقطع النظم الشعبي التي كانت تؤرخ لأفراح الناس وأتراحها؟
وهل طوى النسيان حقاً تلك النصوص التي نُظمت بلهجات مختلفة. وفي محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات صدر للباحث السوري رامي عفاكي كتاب بعنوان "تاريخ الموّال السُّباعي في الشام وتراجم ناظميه الأوائل" (دار سائر المشرق، 2026).
يقدّم الكتاب تشريحاً دقيقاً للموال السباعي، الذي يُعرف في العراق بـ"الزهيري"، وفي سورية بـ"الشركاوي"، موضحاً الفروق الجوهرية بينه وبين الموال الرباعي.
فالموال السباعي يقوم على سبعة أشطر؛ تسمى الثلاثة الأولى "المطلع" وتتحد في قافية واحدة (كلمات متماثلة رسماً ومختلفة معنى)، تليها ثلاثة أشطر تسمى "العرجة" بقافية مغايرة، وصولاً إلى الشطر السابع "القفلة" الذي يعود لقافية المطلع ليختم المعنى.
تكمن قيمة الإصدار في اعتماده منهجية التحقيق العلمي؛ حيث لم يكتفِ عفاكي بالمصادر المطبوعة، بل غاص في فهارس المخطوطات العامة والخاصة عبر عواصم عربية وأوروبية.
واستطاع الباحث استنطاق سبعة مصادر مخطوطة نادرة، منها كراسات تعود لأسرة الكيلاني وأخرى لطلاب الشيخ عمر اليافي، ليوازن بينها ويستخرج نصوصاً ظلت حبيسة الأدراج لأكثر من قرن ونصف قرن.
مع أن الموال السباعي دخل دمشق في نهاية القرن الثامن عشر عبر ناظمين عراقيين مثل أحمد آغا البغدادي ويوسف الراوي، يثبت الكتاب أن أمين الجندي الحمصي (1766 - 1848) هو من استحق لقب "الرائد الأوائل" الذي أطلق المدرسة السورية في هذا الفن.
ويكشف العمل عن كمية كبيرة من المواويل والمنظومات الشعبية باللهجة الشامية المحكية، والتي أُسقطت عمداً أو سهواً من الطبعات الأربع الشهيرة لديوان الجندي، لكون جامعي الديوان قديماً صبّوا اهتمامهم على القصائد الفصيحة والموشحات.
يستعرض عفاكي التحديات التي واجهت المشروع، بدءاً من ندرة كتب التراجم للشعراء الزجالين، وصولاً إلى رداءة الخطوط في الكراسات المخطوطة وأخطاء النساخ.
ومن خلال الربط بين سيرة الجندي والواقع السياسي والاجتماعي لولايتي الشام وحلب إبان العصر العثماني، يقدم الكتاب فهرساً تاريخياً لأقدم المواويل السورية والعراقية، مشكلاً بذلك مرجعاً للباحثين في التراث اللامادي.