Logo

التحرير الأدبي صراع مع الروائي أم تكامل معه؟

 توجد سلطة يتقاسمها الروائي والكاتب مع دار النشر، ويغيب عنها المحرر الأدبي، الذي لا يحظى بالاعتراف في ثقافتنا العربية إلا نادراً، إذ إنه يتعرض للتهميش رغم دوره المحوري في تطوير الروايات، إما جهلاً به، وإما تجاوزاً له،

 وهناك أسباب لهذا، يكشف عنها كتاب "دليل الكاتب لتحرير الرواية" (منشورات تكوين، 2025) للكاتب المصري علاء فرغلي، الذي يقترح أن يتنازل السرد العربي عن الاحتفاء بفردانية الكاتب، وأن يتيح المجال للمحرر، حتى يساهم في تغيير الصور السلبية ضمن الواقع الروائي السائد.

هل تعترف الثقافة العربية بالمحرر؟

تكاد الثقافة العربية تخلو من مفهوم واضح لماهية المحرر الأدبي ودوره في تطوير الرواية وأسلوبها ولغتها ومضامينها، فخلال تاريخ تراثنا العربي، اتخذت مظاهر التحرير للكتب الأدبية شكلاً مختلفاً، إن صح التعبير، إذ لم تكن الرواية قد ظهرت بعد، ويشمل هذا الشكل تحقيق الكتب وتنقيحها وتطويرها، 

بالإضافة والحذف وتحسين الترتيب، من خلال أدباء تناولوا مؤلفات آخرين ممن سبقوهم، كما في حالة الجاحظ مثلاً، الذي توجد لكتبه ومؤلفاته طبعات منقحة ومحسنة عدة.

المفارقة في هذا النوع من التحرير الأدبي غير الروائي، تكمن في أن الفاصل الزمني بين الكاتب وهذا النوع من المحررين، طويل قد يمتد مثلاً إلى عشرة أعوام، أو خمسين، أو أكثر، بل ويمكن للتحرير هنا أن يظل عملية مستمرة، وهذا ما لا ينطبق على تحرير الروايات. 

لهذا السبب ربما، ينطلق المؤلف في كتابه متجاوزاً محاولة تأصيل هذا المفهوم وتعريفه في سياق عربي، ليقدم تجارب عملية، كثيفة وموسعة، تشمل روايات عربية حديثة، منها ما نال الجوائز، ومنها ما انتشر بين القراء، مبيناً مدى أهمية حضور المحرر الأدبي في عصرنا، والأثر الذي كان ممكناً أن يتركه على هذه الروايات، وجعلها أفضل بكثير مما هي عليه. 
 
هذه المنهجية العملية في تجسيد أهمية المحرر الأدبي، تمتد في صفحات الكتاب وتبين شيئاً فشيئاً قلة المعرفة بخصوص هذه المهنة،

 إذ يتضح أن المحرر ليس مجرد مدقق لغوي، ولا شخصاً يمتلك بعض المعرفة في الأدب والتاريخ مثلاً، بل يجسد منظومة ثقافية واسعة ومتكاملة، تملك معرفة جيدة وخبرة واسعة في الأسلوب والأنواع الروائية واللغة، والمضامين المتعلقة بوعي الشخصيات والعلاقة بين الواقع والعلم والمنطق والخيال ضمن البنية الروائية. 

المحرر روائيٌ ثانٍ إذن، أو "كاتب شبح" كما يقول علاء فرغلي في كتابه، ورغم قوة هذه الجملة، المتمثلة بأن المحرر يبدو منافساً للكاتب داخل النص، أو شريكاً، فإن فرغلي لا يتراجع عن هذه الرؤية، بل يدعمها بالتصريح المباشر، بأن للمحرر "سلطة داخل النص"، لكنها محدودة بموافقة الكاتب على ما تخضع له الرواية من تغيرات قد يكون العديد منها جوهرياً، ما يقلل فرص الاعتراف بالمحرر وحضوره.

دور المحرر في الرواية المعاصرة

يطرح المؤلف روايات عدة اشتهرت بين القراء، مثل رواية "عزازيل" ليوسف زيدان، أو رواية "أوراق شمعون المصري" لأسامة الشاذلي، ورواية "الفيل الأزرق" لأحمد مراد، وغيرها، 

ويكشف أدق التفاصيل المتعلقة بلغتها وأسلوبها، وصعوبات تحريرها، خصوصاً في ظل لغة شعرية طاغية في الكثير منها، تجعل عملية تخليصها من التناقضات والأخطاء في بنية اللغة وتناول الموضوع واكتشاف مواطن الخلل في الحبكة أو الشخصيات أو منطق الأحداث أمراً صعباً، لكنه ضروري، ويكشف العديد من المشكلات التي تواجه الكاتب، بحيث لا يستغني عن وجود المحرر.

ولأن اللغة محور وظيفة المحرر برأيه، يبين فرغلي كمّاً كبيراً من أخطاء الروائيين في استخدام التشبيهات ومحاولة بعضهم التصنع في التصوير الروائي، وقلة الوعي بالمفردات ومرادفاتها والفروقات بينها، 

بالإضافة إلى الحشو والتكرار في الكلمات والأفكار والمضامين. ويكشف بهذا كله أيضاً، الضعفَ المتمثل بالثقافة البصرية لدى الروائي العربي عموماً، إذ إن امتلاك ثقافة بصرية جيدة، يساعد الكاتب في معرفة المفردات والأسلوب والإحساس المتعلق بحالة أو ظاهرة أو حدث معين داخل روايته، ما يساعده في إبداع نصوص أكثر كثافة واقعية أو خياليةً إن شاء.

تصطدم هذه الأهمية الكبيرة لدور المحرر في كشف الخلل ضمن مجالات عديدة تتضمنها الروايات، بإهمال من دور النشر العربية، التي نلمسها في تسرع الكاتب ودور النشر في عملية النشر أحياناً، والتذرع أيضاً بشهرة الكاتب لدى فئات معينة من الجمهور أحياناً أخرى، وهو ما يشير إليه المؤلف بشكل غير مباشر، حين يتحدث عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في صنع جمهور "زائف" للكاتب.
 
وإذا كان دور المحرر يتضمن النهوض بلغة الرواية بصورة عميقة وقوية ومؤثرة تتناسب مع بيئة الرواية والزمن الذي تدور أحداثها فيه، فإن القارئ المعاصر برأي بعض الكتّاب والناشرين ولجان تحكيم الجوائز، قد لا يضع اللغة ضمن اهتماماته الأساسية حين يقرأ، إنما يستهدف المتعة والمعرفة وغيرهما من أهداف. 

يقول علاء فرغلي إن العديد من الجوائز "يركز على الأفكار والمواضيع المطروحة فقط"، ولا ينتبه إلى العناصر الأخرى التي تجعل الرواية ذات أثر.

بين وعي الكاتب وقلم المحرر

مسألة أخرى يقدمها الكتاب بصورة موضوعية، وهي مهمة المحرر في مواجهة الحوارات الركيكة التي لا تضيف شيئاً إلى العمل الروائي، ويحيل المؤلف تكرار هذه الحوارات في بعض الروايات إلى رغبة الكاتب في إضافة مجموعة من الأقوال المأثورة والأمثال والجمل الفلسفية إلى النص، رغم أن هذا النوع من الإضافة يزيد من حضور الروائي داخل الرواية على حساب شخصياته، ويُحمّل للنص جملاً عديدة مصطنعة لم تنشأ من صلب الحدث أو طبيعة الشخصية داخل الرواية، أو من خلال البيئة التي يتناولها العمل.

ولا تقف الأمور عند هذا الحد، إذ تتجاوز وظيفة المحرر الانتباه إلى هذه الأساليب التي تسبب خللاً في بنية الرواية، ليكون قارئاً واعياً صاحب قدرة تحليلية لا يملكها الكاتب الذي ينشغل في تخيل الأحداث خلال الكتابة، ما يضع المحرر في مواجهة مع الكاتب مجدداً، للتفاوض على التخلص من الاجتهادات الفلسفية واللغوية التي يحاول الكاتب من خلالها تعميق نصه وأسلوبه دون الانتباه إلى عدم ارتباط هذه الاجتهادات بالحدث والقصة داخل روايته. 

* عاصف الخالدي
كاتب ومترجم من الأردن