Logo

العلم يبدأ بسؤال: حين يقود الفضول أعظم الاكتشافات

 الإنسان كائنٌ سؤولٌ بطبعه، تدفعه إلى ذلك شهوة المعرفة. فالسؤال هو مفتاح البحث العلمي الرصين؛ ولو راجعنا تاريخ العلوم لوجدنا أن كثيراً من فروع المعرفة بدأت بسؤال واحد فقط. مجرد سؤال، على أن يكون سؤالاً صحيحاً، ولو بدا بسيطاً.

لأن هذا السؤال البسيط سيكون طرف الخيط الذي يفضي إلى تساؤلات أعقد، تنفذ إلى غموض الكون ومجاهله من حولنا.

فطرح السؤال هو أولى خطوات العلم. يقول الدكتور فؤاد زكريا: "إذا كان كثير من المؤرخين يتخذون من آراء الفلاسفة اليونانيين القدماء نقطة بداية للعلم، فما ذلك إلا لأن هؤلاء الفلاسفة قد تفوقوا على غيرهم في التساؤل والبحث عن الأسباب.

صحيح أنهم لم يجدوا إجابات إلا عن القليل من الأسئلة التي طرحوها، وأن كثيراً من إجاباتهم كانت قاصرة، ولكن المهم أن يُطرح السؤال، وهذا الطرح هو في ذاته الخطوة الأولى في طريق العلم".

فالقدرة على التساؤل هي ما يميّز العالِم الكبير، لأن من صفات العلماء والفلاسفة عدم وقوعهم في شرك الرتابة؛ ذلك الشرك الذي يجعل الأشياء مألوفة، فلا تعود بحاجة إلى البحث والتدقيق ومراجعة الفكر حولها.

 فالإنسان العادي، مثلاً، لا يسأل: لماذا السماء زرقاء؟ لأنه منذ مولده ألف زرقة السماء، فيمر الأمر دون أن تثيره هذه الملاحظة العابرة.

أما من يطرح السؤال فهو الفيلسوف أو العالِم. يقول الدكتور مصطفى محمود: "العالِم العظيم والمكتشف العبقري هو وحده الذي يستطيع أن يمزّق أستار هذه الألفة، ويأخذ بيدنا إلى حقيقة جديدة".

ومن هنا يمكن أن نطوف مع ثلاثة نماذج من أسئلة بسيطة، لكنها فتحت أبواباً واسعة في تاريخ العلوم.

البداية مع آينشتاين

العالِم الألماني الأميركي ألبرت آينشتاين (1879–1955) بدأت إبداعاته العلمية، التي قادته إلى النظرية النسبية، بسؤال عن ماهية الضوء.

 ويشرح ماكس فرتهايمر (1880–1943)، أحد المؤسسين الرئيسيين لنظرية الجشطلت، طبيعة هذه التساؤلات قائلاً: "في البداية بزغت في ذهن آينشتاين مجموعة من الأسئلة، مثل:

ماذا يحدث إذا جرى أحد الأشخاص وراء شعاع من الضوء؟

وماذا يحدث إذا ركب أحدهم شعاعاً؟ وإذا جرى شخص خلف شعاع من الضوء أثناء مساره، فهل ستقل سرعة الضوء بالنسبة له؟ وإذا جرى بسرعة كبيرة كفاية، فهل يكف هذا الشعاع عن الحركة كلياً، أي يصل إلى حالة من السكون المطلق؟".

ثم تتابعت هذه التساؤلات لتقود آينشتاين إلى بناء نظريته النسبية. فالسؤال البسيط كان طرف الخيط الذي أفضى إلى سلسلة من الأسئلة المتلاحقة. 

ويشهد ليوبولد إنفلد (1898–1968)، الفيزيائي البولندي ومعاون آينشتاين في جامعة برنستون، على هذه القدرة الاستثنائية على التساؤل،

 فيقول: "منذ كان آينشتاين في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره، كان يُطيل النظر في مسألة واحدة: ماذا سيحدث لو حاول شخص ما الإمساك بشعاع من الضوء؟ لقد فكّر في هذه المسألة سنوات طويلة، وانتهى به حلها إلى نظرية النسبية".

ويعلّق مؤلفا كتاب العلم في منظوره الجديد على هذه القصة بالقول: "نرى في هذا المثال بعضاً من السمات المهمة لعبقرية آينشتاين، وأول هذه السمات وأهمها القدرة على التساؤل".

 وليس غريباً أن يقول آينشتاين نفسه: "الشيء المهم هو عدم التوقف عن السؤال؛ فالفضول له سببه الخاص في الوجود".

طول الساحل
هندسة الكسيريات، أو الفركتلات (Fractals)، جاءت من عمل العالِم الفرنسي الأميركي بينوا ماندلبروت (1924–2010) في استقصاء التكرار الذاتي، وذلك للإجابة عن سؤال بسيط: كم يبلغ طول شواطئ بريطانيا؟

هذا السؤال السهل ظاهرياً أفضى إلى ما عُرف بمفارقة خط الساحل، تلك الملاحظة التي تقول إن ساحل اليابسة لا يملك طولاً محدداً بدقة. فقد استندت أعمال ماندلبروت إلى فكرة أن "الأشياء الغرائبية هي أيضاً من هذا العالم، وتحمل دلالة مهمة".

ما الذي يصنع الشاطئ؟ طرح ماندلبروت هذا السؤال في إحدى أوراقه التي شكّلت نقطة تحول في تفكيره.

هذه التساؤلات قادته إلى نوع جديد من التفكير في مفهوم الأبعاد، وضرورة تجاوز الأبعاد الصحيحة إلى ما سُمّي بالأبعاد الكُسيرية (Fractional Dimensions)، 

وهي أبعاد تصف الأشكال المتماثلة ذاتياً في الطبيعة، من الغيوم والجبال، إلى تعرجات السواحل، وحتى تفاصيل أوراق الشجر.

وكل ذلك بدأ من سؤال بسيط طُرح ذات يوم.

مفارقة أولبرز

من أشهر مفارقات العلم ما عُرف بمفارقة أولبرز (Olbers’ Paradox)، نسبة إلى الفلكي الألماني هاينريش أولبرز (1758–1840). 

وكانت في أصلها سؤالاً مباشراً: إذا كان في الفضاء مليارات النجوم اللامعة في مليارات المجرات، فلماذا تبقى السماء مظلمة أثناء الليل؟

حاول كثيرون الإجابة عن هذا السؤال عبر قرون، من توماس ديجيس في القرن السادس عشر، إلى كبلر، ثم إدوارد هالي، حتى جاء أولبرز في القرن التاسع عشر.

 آنذاك كان الاعتقاد السائد أن الكون ثابت ولانهائي، وبناءً على ذلك، افترض أولبرز أن الكون ليس شفافاً بما يكفي لوصول ضوء النجوم البعيدة إلينا، وكانت تلك إجابة خاطئة.

في القرن العشرين، تبيّن أن الكون ليس ثابتاً بل يتمدد، وله بداية تُعرف بالانفجار العظيم. ومع تمدد الكون، تبتعد المجرات والنجوم عنا، ويحدث لضوئها انزياح نحو الأحمر وفق تأثير دوبلر وقانون هابل، فينتقل الضوء إلى نطاق الأشعة تحت الحمراء غير المرئية.

بعبارة أخرى، الكون مضيء فعلاً، لكننا لا نرى ذلك بالعين المجردة، بل عبر تلسكوبات متطورة مثل تلسكوب هابل. وفي الكون المبكر فقط كانت السماء مضيئة بالضوء المرئي.

وهكذا، كان تساؤل أولبرز بوابة للتفكير في نشأة الكون ومصيره.

وهكذا دائماً:
السؤال هو البداية.

عبد الحفيظ العمري
كاتب ومهندس يمني