Logo

الرواية العربية... من حرية الكتابة إلى كتاب في الحرية

 تُشكّل الرواية العربية منذ نشأتها فضاءً مركباً يعكس صراعاً مستمراً بين التراث السردي القديم ومتطلبات الحداثة وبين البلاغةِ التقليدية والتجريب الروائي، وبين حرية الكاتب وكتابة الحرية بوصفها ممارسةً نقديةً وفكرية. 

في هذا السياق، يقدّم الباحث عثمان زيني في كتابه الجديد "الرواية العربية: من حرية الكتابة إلى كتاب في الحرية" (دار بصمة للنشر والتوزيع، 2025) دراسةً نقديةً، تجمع بين الحس التحليلي الدقيق والرؤية الفكرية المتجذّرة في أسئلة الحداثة والهوية والسرد العربي، 

مركّزاً على تطور الرواية العربية من فضاء الحكاية والمقامة إلى جنسٍ أدبيٍ قادرٍ على التعبير عن التحوّلات الفكرية والاجتماعية الكبرى.

الكتاب يضم بابَين رئيسيَين. يبدأ الأول بعنوان "نشأة الرواية العربية من منظور النقد العربي: من التهميش إلى التأسيس"،

 ويتناول الفصل الأول ضمنه تجربة جورجي زيدان ودوره في البذور الأولى للنقد الروائي العربي، مع التركيز على تكون الرواية العربية بين الأصول النظرية والامتدادات الثقافية والاجتماعية، وتحليل العلاقةِ بين تأثيرِ التراث ورهان الحداثة.

 أما الفصل الثاني، فيتناول النقد العربي الحديث بين التأسيس والتهميش، مع دراسة مرحلة التأسيس وأهمية مساهمات عبد المحسن طه بدر في تسليط الضوء على تهميش المنجز الروائي لرواد النهضة. 

ويستعرض الفصل الثالث تطور النقد الروائي العربي من جاهزية النظرية إلى خصوصية الرواية العربية، مع تحليل أعمال فيصل دراج حول نشأة الرواية العربية في ظلّ الممانعة التراثية، وأحمد البيوري في تشكّل الذوق وصراع البلاغة في عصر النهضة، 

إضافة إلى دراسة مساهمات محمد برادة في الربط بين خصوصية السياق والرواية.

في الباب الثاني يقدم الكتاب دراسةً للرواية العربية باعتبارها ولادةً هجينةً بين امتداد التراث السردي وتحديات الحداثة، مع التركيز على أعمالِ أحمد فارس الشدياق وجورجي زيدان. 

ويتناول تجربة الشدياق من خلال عمله الساق على الساق، موضحاً مكانته في الأدب العربي الحديث، وتحليل العلاقة بين السرد العربي القديم والحديث، 

مع دراسة تفكّك الأجناس التقليدية في رحم النهضة العربية وتمويه الرحلة بالفن والمقاومة الشدياقية من قيود السجع إلى حرية السرد وكذا العلاقة بين القصة الشدياقية والأجناس الحديثة، والتحول من المقامة إلى المقالة، 

كما يتناول الفصل الثاني روايات زيدان، محققاً في أثر القصِّ العربي الشعبي والسرد الحكائي في كتاب "إعلام الناس"،

 وتحليل اشتغال التسامي النصّي في "العباسة أخت الرشيد"، والتناصّ بين الرواية العربية والقصِّ الشعبيّ وحوارية العناوين، وتعلُّق الرواية بالتراث السردي العربي.
 
ويتطرق الكتاب أيضاً إلى مستوى المادة الحكائية واللغة والأسلوب، موضحاً استمراريةَ النموذج السردي القديم، ودور الحكواتي مقابل السارد إلى جانب بناء الشخصيات وفق ثنائية الخير والشر، ومنطق الصدفة وتضمين الشعر.

العمل يبرز التجديد اللغوي والتنوع الاجتماعي في روايات زيدان، من خلال دراسة أدب النهضة بين الإحيائيين والحداثيين، ودور الكلام الروائي في تحرير اللغة وتوسيع إمكانيات التعبير، 

ما يوضح قدرة الرواية على المزج بين الموروث والابتكار، والانفتاح على التجربة الإنسانية والثقافية المعاصرة.
 
يؤكد الكتاب التوترَ الخلاق بين حرية الكتابة وكتابة الحرية، مركّزاً على الرواية بوصفها مساحةً للحوار بين الذاكرة والحداثة، معتبراً الكتابة ممارسةً فنيةً وفعلاً ثقافياً يعكس التحولاتِ الفكريةِ والاجتماعية.

ويبرزُ المؤلَّف من خلال منهجيته التحليلية العلاقة بين النقد العربي والتجربة السردية، وربط الموروث بالحداثة بطريقةٍ منهجيةٍ دقيقةٍ، دون الانحياز إلى أي نموذجٍ أجنبي، مع الحفاظ على خصوصية السياق العربي.

فاطمة أبو ناجي
محررة وصحافية من المغرب