الدهشة المتأخرة من تصريحات الغيثي؟!
ليست المشكلة في أن يتحدث محمد الغيثي بما يؤمن به، فالرجل لم يُخفِ مشروعه يوماً، ولم يتسلل إلى المشهد متخفياً خلف خطاب وطني جامع ثم انقلب عليه لاحقاً.
منذ ظهوره المفاجئ من أبوظبي، قُدِّم باعتباره أحد الأصوات الصلبة للمجلس الانتقالي، يحمل خطاباً واضح الملامح، حاداً في موقفه من الدولة اليمنية ووحدتها، حتى أن كثيرين يومها تساءلوا: من أين جاء هذا الشاب الذي قفز دفعة واحدة إلى صدارة المشهد؟
ولماذا بدا وكأنه يمتلك نفوذاً أكبر من تاريخه السياسي وحجمه الطبيعي؟
وكانت الإجابة التي همس بها كثيرون آنذاك ترتبط بطبيعة العلاقة الخاصة التي ربطته بالدوائر الأمنية الإماراتية، وهي العلاقة التي فسرت سرعة صعوده أكثر مما فسرها أي حضور سياسي أو جماهيري حقيقي.
لذلك فإن الضجة التي أثيرت مؤخراً حول تصريحاته تبدو أقرب إلى دهشة متأخرة من كونها اكتشافاً جديداً. فالغيثي لم يتغير، بل ظل يقول الشيء ذاته منذ اللحظة الأولى، لكن بعض القوى كانت تتوهم أنها قادرة على استخدام هذا الخطاب مرحلياً ثم احتوائه لاحقاً، غير مدركة أن المشاريع التي تُبنى على نفي الدولة لا تتحول فجأة إلى أدوات لحمايتها.
وإذا كان من لوم حقيقي، فإنه لا ينبغي أن يُوجَّه إلى الغيثي وحده، بل إلى البيئة السياسية التي سمحت بتحويل خطاب معادٍ لفكرة الدولة إلى جزء من بنية “الشرعية” نفسها.
وهنا تبدو المفارقة اليمنية في أكثر صورها عبثاً: سلطات يفترض أنها جاءت لاستعادة الدولة، تحتضن داخلها من يعملون علناً على تقويضها؛ وسلطة يفترض أنها تقود معركة الدفاع عن الوحدة والسيادة، عاجزة حتى عن حماية خطابها السياسي من التآكل والانهيار.
لقد كان يفترض بمجلس القيادة الرئاسي، بعد أحداث حضرموت وحل الإنتقالي، أن يعيد تعريف المعركة الوطنية بوضوح، وأن يصحح وضع مؤسسات الدولة المختطفة، لا أن يكرّس ازدواجية قاتلة يصبح فيها مشروع الدولة ومشروع تفكيكها شريكين على الطاولة ذاتها.
لكن ما حدث هو العكس تماماً؛ إذ بدا المجلس، في كثير من الأحيان، كتركيبة مؤقتة لإدارة التوازنات والمصالح، لا كقيادة تحمل مشروع إنقاذ وطني.
ولهذا لم يعد اليمنيون يرون فيه مركز قرار حقيقياً بقدر ما يرونه مظلة رخوة تتعايش تحتها المشاريع المتناقضة، بينما البلاد تنزف في كل اتجاه.
والمشكلة الأعمق أن هذا التعايش لم يعد مجرد خطأ سياسي، بل تحوّل إلى حالة تطبيع خطيرة مع خطاب التشظي والانقسام.
فحين يصبح الحديث عن تفكيك اليمن أو نزع الشرعية عن دولته أمراً اعتيادياً يصدر من شخصيات تتصدر مؤسسات يفترض أنها جزء من الشرعية نفسها، فإن الرسالة التي تصل للناس هي أن الدولة لم تعد تملك حتى الإيمان بذاتها.
أما السعودية، فهي تدرك قبل غيرها حساسية هذا الملف وتعقيداته. فمنذ بداية الحرب قدمت نفسها باعتبارها راعية لوحدة اليمن واستعادة مؤسساته، وتعهدت بذلك أمام اليمنيين والمجتمع الدولي.
ولهذا فإن السماح بانطلاق خطابات تناقض هذا الالتزام من داخل الرياض يطرح أسئلة محرجة حول طبيعة السقف الذي يُسمح لبعض القوى بالتحرك تحته، وحول حدود التناقض بين المعلن والممارس على الأرض.
وربما تدرك الرياض أن إدارة التوازنات اليمنية المعقدة تفرض أحياناً استيعاب أطراف تحمل رؤى متناقضة، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول “الاستيعاب” إلى غطاء دائم، وحين يُفهم الصمت باعتباره قبولاً ضمنياً أو عجزاً عن ضبط المسار.
فالدول الكبرى قد تتحمل التناقضات مؤقتاً، لكنها لا تستطيع بناء استقرار دائم فوق مشاريع متصارعة في الجوهر.
اليمن اليوم لا ينهكه الحوثي وحده، بل ينهكه أيضاً هذا التآكل البطيء لفكرة الدولة داخل معسكر يفترض أنه يقاتل من أجلها.
وحين تصبح الشرعية عاجزة عن التمييز بين من يريد استعادة الوطن ومن يريد اقتسامه، فإن الأزمة لا تعود أزمة حرب فقط، بل أزمة معنى وهوية ومستقبل.
لهذا فإن القضية ليست تصريحاً عابراً لمحمد الغيثي، بل سؤالاً أكبر بكثير: هل ما تزال هناك إرادة حقيقية لبناء دولة يمنية جامعة؟
أم أن الجميع، بصمتهم أو تواطئهم أو عجزهم، يتكيفون تدريجياً مع فكرة هذا الخطاب الذي يدعو صراحة وعلناً إلى تقسيم اليمن.
أ. صالح الجبواني
وزير النقل اليمني السابق