لقد أضعنا وطنًا... فمتى نستعيد أنفسنا؟
لم نُضيّع الوطن صدفة.
لقد خنّاه بكل وعي.
غرزنا فيه سكاكيننا من كل الجهات،
ثم بكينا عليه كما تبكي الضباع على جيفها.
نعم، لقد أضعنا وطنًا.
وطناً كان يمكن أن يكون منارة،
فحوّلناه إلى فخٍ لكل الحالمين.
تركناه يُنهب، يُقسَّم، يُسحق،
وكنّا نعرف،
نرى،
نتابع…
نصفّق للبعض، ونشتم البعض الآخر،
لكننا لم نُوقف النزيف.
في الداخل،
صنعنا طوائف من الرمل، وملوكًا من دم،
سلّمنا رقابنا لكل ناعق يرفع شعارًا ويملك بندقية،
تقاتلنا على الله، وعلى التاريخ، وعلى الجغرافيا…
وكأن الأرض لا تسع إلا جنازة واحدة.
خان الوطن كل من تلبّس قميصه ليطعن فيه.
كل من ركب اسمه للوصول إلى الكرسي،
كل من جعل من عدن عاصمةً منفصلة،
ومن صنعاء إمامة مقنّعة،
ومن تعز ساحة لتصفية الحسابات،
ومن الحديدة مرفأً للتجويع.
وفي الخارج؟
كأنهم على موعدٍ أبدي مع دمنا.
يدخلون من كل باب،
يتنافسون على من ينهب أكثر، من يفرّق أكثر، من يشتري الولاءات الأرخص.
لا يريدون سلامًا… بل هدوءًا كاذبًا يديرون فيه الحرب من بعيد،
ويقتطعون من الوطن ما يشبه "عقارات نهاية الخدمة".
وها نحن…
نقف الآن على أنقاض وطن،
نردّد نشيده في الطابور،
لكن لا نعرف أين تبدأ أرضه ولا أين تنتهي،
من يحكمه ولا من يخونه،
من ينتمي إليه، ومن يستثمر موته.
لقد أضعنا وطنًا،
وحين نقول أضعناه، فنحن نعني أننا:
قتلناه ثم مشينا في جنازته نحمل صورته،
نشيّعه كل صباح في نشرات الأخبار،
ثم نعود لننشب أنيابنا في ما تبقّى من عظامه.
فمتى نستعيد أنفسنا؟
متى نغضب لا على الآخر، بل على أنفسنا؟
متى نقول "أنا خنت"؟
"أنا صمتُّ حين كان عليّ أن أتكلم"،
"أنا صفّقت حين كان الوطن يُذبح"،
"أنا اخترت الوهم بدلًا من المواجهة"،
"أنا فرّطت"...
و"أنا المسؤول".
لأن من لا يعترف بخيانته الأولى،
سيظل يزوّر في كل اعتذار.
هذا وطن، لا وثيقة.
هذا دم، لا توقيع.
وهذا خراب لن ننجو منه إلا إذا بدأنا باعترافٍ كبير:
لقد أضعنا اليمن... فهل بقي فينا ما يستحق أن يعود؟
أ. نجم الدين الرفاعي