نبتة الحناء... زفير الأرض لأفراح اليمنيين وإرثهم
الفرح في اليمن إرث ضارب في عمق التاريخ، تحرسه نبتة الحناء، رفيقة ملكات سبأ وحمير، قبل أن تغادر ردهات القصور وتصبح إرثاً تتوارثه الأجيال. ولا يُذكر تاريخ اليمن القديم وطرقات تجارته، إلا وتحضر قوافل اللبّان والبخور والحناء.
حين يعبر الزائر أزقة صنعاء القديمة المسكونة بالتاريخ، أو يتوغل في دهاليز سوق الشنيني العتيق في تعز، أو يتنشّق رطوبة أسواق كريتر والشيخ عثمان الشعبية في عدن، ستحاصره رائحة الحنّاء القوية والعميقة، كأنها زفير الأرض التي وُصفت يوماً بأنها "بلدة طيبة".
سواء كان الطقس زفافاً أو خطوبة، أو استقبالاً لمولود، أو ابتهاجاً بعيد ديني. ستبرز أكف النساء، والشابات، والطفلات، وحتى العجائز، وقد تحولّت إلى لافتات فرح مزينّة بنقوش ترسم لوحات زاهية من الجمال الأصيل.
لم يكن الخضاب الأخضر للحناء يوماً مجرد زينة عابرة، بل ركيزة أساسية في الهوية البصرية والثقافية لليمنيين، تكمل تموجاتها بهاء الملابس التقليدية المطرزة، وتتكامل مع خضرة "المشاقر" على رؤوس النساء في صنع تفاصيل الجمال والبهجة.
تختزل نبتة الحناء تنوّع الجغرافيا اليمنية وتعدد مناخاتها، من التربة الخصبة إلى وديان تهامة الفسيحة وبلدات الوازعية، إلى الواحات الدافئة في حضرموت. تضرب شجيرات الحنّاء جذورها لتجود بالأنواع الأكثر شهرة في الجزيرة العربية.
يغرس المزارعون شتلاتها صيفاً ثم يحصدون أوراقها يدوياً ويجففونها في الظل، ما يشكل قطاعاً اقتصادياً.
ويثمر الذهب الأخضر أيضاً في بيوت "المنقشات"، إذ باتت الحرفة مصدر دخل رئيسي لعشرات النساء المعيلات.
تقول غيداء السعيدي "بدأت في النقش كهواية طفولة، ثم تحوّل إلى مهنة رئيسية أعيل بها أسرتي في ظل الظروف الراهنة. تختلف أشكال النقوش وكثافتها بحسب طبيعة المناسبة
لكن ذروة الإقبال في عيدي الفطر والأضحى اللذين يشهدان انتعاشاً كبيراً للمناسبات الاجتماعية من أعراس وحفلات خطوبة، وعقود قران، وعودة الأزواج المغتربين إلى ديارهم.
هذا الزخم الموسمي يرفع الطلب على الحناء بشكل غير مسبوق، حتى أن دخلي اليومي من النقش خلال موسم العيد قد يصل إلى 100 دولار".
وهذا التنوع والانتشار يمنحان الحناء اليمنية خصائص فريدة في حياة الناس خلال مسار الزينة والابتهاج، ومسار التطبيب والوقار.
وفي طقوس الأفراح والمناسبات، يخصص اليمنيون ليلة خاصة بالحناء، هي امتداد لإرث تاريخي عريق يسبق الإسلام، ويتحوّل فيه العرس إلى كنف احتفالي بهيج يمزج الأهازيج بالرقصات الفلكلورية والشعبية. وفي هذه الليلة تُخضب يدا العروس وقدماها بنقوش ساحرة،
بينما يُطلى جسد العريس وشعره ووجوه رفاقه وأصدقائه بمسحوق "النبتة المباركة"، في طقس متوارث يحمل وراء بهائه معتقدات عميقة بالتحصين من العين والشر، وجلب البركة لأولى خطوات الحياة الزوجية.
وتظل الحناء أداة الزينة الأهم للعروس اليمنية، والركيزة التي تمنح إطلالتها سحراً تراثياً فريداً.
وخلف هذا الجمال البصري تكمن طقوس متوارثة، تبدأ بتجفيف أوراق الحناء بعناية، وطحنها لتتحوّل إلى مسحوق ناعم يُعجن بالماء الفاتر، وتُضاف إليه قطرات من الليمون، أو منقوع الكركديه، التي تمنح العجينة قوامها المتماسك، وتتيح التحكم بدرجات ألوانها بين العنابي الدافئ والأسود الداكن.
بعدها تتحوّل العجينة إلى مداد ساحر في أيدي المنقشات اللواتي يترجمن الشغف اليمني بالجمال عبر نقوش تزين معاصم وأرجل النساء، وتتنوع بين "المشجّع" المستوحى من أوراق الشجر والطبيعة، و"الحيّة" بانسيابيته الملتوية، وزخارف "الشرائح" الهندسية الدقيقة.
وتحضر الحناء أيضاً غذاء ملكياً للشعر، تصبغه بلونٍ طبيعي مميز، وتضفي عليه بريقاً ساحراً، وتحرس صحته ونضارته.
ويتحدث الباحث في التراث الشعبي، عبده شونه، عن أن "الحناء من أهم النباتات التجميلية في الموروث الثقافي اليمني، وتجمع بين الأصالة والحداثة، وتعد خياراً رئيسياً لكل الأجيال والفئات العمرية للنساء، من صغيرات وشابات إلى عجائز، كما أنها خيار للفقراء والأغنياء معاً.
تجمع النبتة بين الميزات الجمالية والطقوس والمعتقدات الدينية والاجتماعية، لارتباطها في الذاكرة المجتمعية بالبركة والتحصين من الشياطين، وتظل بالتالي من أهم معالم التراث ذات المكانة التاريخية والاجتماعية في الوجدان العام لليمنيين".
إلى ذلك تحضّر الحناء في اليمن بصفتها علاجاً شعبياً ورفيقاً يومياً لا غنى عنه يعكس معتقدات شعبية قديمة في شأن جلب النبتة البركة،
إذ يستخدمها كبار السن لخضاب اللحى وشيب الرؤوس في طقس وقارٍ مهيب، مستفيدين من خواصها الطبية الفعّالة في تبريد الرؤوس والأجساد،
بينما تستخدمها نساء الأرياف لحماية الأجساد من لفح حرّ الصيف وعلاج تشققات القدمين.
ولا تتوقف رمزية الحنّاء في اليمن عند حدود الأفراح، بل ترافق الإنسان حتى في رحلته الأخيرة، إذ تحضر في طقوس الموت في بعض المناطق،
حيث يُغسل الميت بماء الحناء أو توضع أوراقها داخل كفنه وعلى قبره، وهو ما يحصل في تهامة وبعض أرياف تعز وإب، ما يمنح النبتة بعداً روحياً وقدسية خاصة ترافق الروح إلى بارئها.
وهذا الحضور الطاغي جعل الحناء تتسيّد الأدب والغناء اليمنيين. ومثلما نُقشت بإتقان على أجساد النساء، حُفرت في وجدان الأغنية والموروث الشفهي رمزاً أصيلاً للخير والجمال.
وفي الحكايات القديمة برزت الحناء أيقونة للنقاء، وتبارى الفنانون في التغني بها وفي طقوس الفرح، ومدح فنان اليمن الكبير أيوب طارش في أغنية "وازخم" المحنِّي وهو يغرس الشتلات،
وقال: "أفديك أنا وا محنى أفدي امثنايا امدرر"، كما تراقصت الأجساد على وقع أغنية الفلكلور اللحجي الشهيرة "يا علم حنّا" للفنان فيصل علوي والتي يقول فيها: "ساعة الحنا تشفي المارود، شلها يالله يا كريم الجود".
أيضاً امتد العبق إلى الحاضرة العدنية بأغنية "شفت ناقش الحناء" للشاعر أحمد الجابري التي ذاعت بصوت الفنان محمد صالح عزاني، وغدت نشيداً للمناسبات يردد فيه الجميع: "شفت ناقش الحناء يا بوي من فنه، طاير من الجنة.. سبحان من صوَّر كأنه قمر نوَّر".
وهكذا تغدو الحناء في الغناء اليمني تارة لغةً للغزل، وتارةً أخرى مرآة تعكس مدى تجذرها في هوية المجتمع وتأثره بها.
وفي ظل تراجع كثير من الحرف التقليدية اليوم بتأثير الحرب والأزمات الاقتصادية، تبرز حاجة ملحة إلى حماية هذه الزراعة وتوثيقها ضمن قوائم التراث العالمي غير المادي.
هي ليست مجرد تجارة أو أداة تجميل، بل وشم غائر في الذاكرة الجماعية لليمنيين، رمز للصمود والفرحة المشتهاة التي تصرّ النساء على نقشها فوق الكفوف لتظل الحناء شاهدة على أن هذا الشعب يملك دائماً مخزوناً من الجمال يستعصي على موجات الحداثة وقسوة الحروب.
فخر العزب
صحافي يمني